عبد الرحمن السهيلي
179
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
والوجه الثاني : أنه حديث لم يصحبه العمل ، ولا يروى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه صلى على شهيد في شيء من مغازيه إلا هذه الرواية في غزوة أحد ، وكذلك في مدة الخليفتين إلا أن يكون الشهيد مرتثاً من المعركة ، وأما ترك غسله ، فقد أجمعوا عليه ، وإن اختلفوا في الصلاة إلا روايةً شاذةً عند بعض التابعين ، والمعنى في ذلك والله أعلم تحقيق حياة الشهداء وتصديق قوله سبحانه : « ولاَ تَحْسَبنَّ الذين قُتِلوا في سبيل اللّه أَمْوَاتاً » الآية مع أن في ترك غسله معنى آخر ، وهو أن دمه أثر عبادة ، وهو يجيء يوم القيامة وجرحه يثعب دماً ، وريحه ريح المسك ، فكيف يطهر منه وهو طيب وأثر عبادة ، ومن هذا الأصل انتزع بعض العلماء كراهية تجفيف الوجه من ماء الوضوء ، وهو قول الزهري ، قال الزهري : وبلغني أنه يوزن ، ومن هذا الأصل انتزع كراهية السواك بالعشي للصائم لئلا يذهب خلوف فمه ، وهو أثر عبادة ، وجاء فيه ما جاء في دم الشهداء أنه أطيب عند الله من ريح المسك ، ويروى أطيب يوم القيامة من ريح المسك . رواه مسلم باللفظين جميعاً ، والمعنى واحد ، وجاءت الكراهية للسواك بالعشي للصائم عن علي وأبي هريرة ، ذكر ذلك الدارقطني . عبد الله بن جحش : المجدع وذكر عبد الله بن جحش ابن أخت حمزة ، وأنه مثل به كما مثل بحمزة ، وعبد الله هذا يعرف بالمجدع في الله ، لأنه جدع أنفه وأذناه يومئذ ، وكان سعد بن أبي وقاص يحدث أنه لقيه يوم أحد أول النهار ، فخلا به ، وقال له عبد الله : يا سعد هلم فلندع الله وليذكر كل واحد منا حاجته في دعائه ، وليؤمن الآخر ، قال سعد : فدعوت الله أن ألقى فارساً شديداً بأسه شديداً حرده من المشركين فأقتله ، وآخذ سلبه ، فقال عبد الله : آمين ، ثم استقبل عبد الله القبلة ، ورفع يديه إلى السماء ، وقال : اللهم لقني اليوم فارساً شديداً بأسه شديداً حرده ، يقتلني ويجدع أنفي وأذني ، فإذا لقيتك غداً تقول لي : يا عبدي : فيم جدع أنفك وأذناك ، فأقول : فيك يا رب ، وفي رسولك ، فتقول لي : صدقت ، قل يا سعد : آمين ، قال : فقلت : آمين ، ثم مررت به آخر النهار قتيلاً مجدوع الأنف والأذنين ، وأن أذنيه وأنفه معلقان بخيط ، ولقيت أنا فلاناً من المشركين ، فقتلته ، وأخذت سلبه ، وذكر الزبير أن سيف عبد الله بن جحش انقطع يوم أحد فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرجوناً ، فعاد في يده سيفاً ، فقاتل له ، فكان يسمي ذلك السيف العرجون ، ولم يزل يتوارث حتى بيع من بغاء التركي بمائتي دينار ، وهذا نحو من حديث عكاشة الذي تقدم إلا سيف عكاشة ، كان يسمى العون ، وكانت قصة عكاشة يوم بدر ، وكان الذي قتل عبد الله بن جحش أبو الحكم بن الأخنس بن شريق وكان عبد الله حين قتل ابن بضع وأربعين سنةً ، فيما ذكروا ودفن مع حمزة في قبر واحد . حديث عمر وأبي سفيان فصل : ومما وقع في هذه الغزوة من الكلم الذي يسأل عنه قول أبي سفيان حين قال : اعل هبل ، أي زد علواً ، ثم قال : أنعمت ، فعال ، قالوا : معناه الأزلام ، وكان استقسم بها حين خرج إلى أحد ، فخرج الذي يحب وقوله : فعال : أمر أي عال عنها وأقصر عن لومها ، تقول العرب : اعل عني ، وعال عني بمعنى : أي ارتفع عني ، ودعني . ويروى أن الزبير قال لأبي سفيان يوم الفتح : أين قولك : أنعمت ، فعال ؟ فقال : قد صنع الله خيراً ، وذهب أمر الجاهلية . وقول عمر : لا سواء ، أي لا نحن سواء ، ولا يجوز دخول لا على اسم مبتدأ معرفة إلا مع التكرار نحو لا زيد قائم ، ولا عمرو خارج ، ولكنه جاز في هذا الموضع ، لأن القصد فيه إلى نفي الفعل ، أي : لا يستوي ، كما جاز : لا نولك ، أي : لا ينبغي لك ، وقد بينا هذا في أول الكتاب حيث تكلمنا على قوله : * فشتتنا سعدٌ فلا نحن من سعد *