عبد الرحمن السهيلي
25
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
تاريخ الهجرة وغزوة ودان ذكر قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة يوم الاثنين في شهر ربيع ، وقد قدمنا في باب الهجرة ما قاله ابن الكلبي وغيره في ذلك ، وفي أي شهر كان قدومه من شهور العجم . وذكر أنه أقام بالمدينة بقية شهر ربيع الأول وشهر ربيع الآخر ، وجمادين وكان القياس أن يقول : وشهري جمادى ، أو يقول : وبقية ربيع وربيعاً الآخر ، كما قال في سائر الشهور ، ولكن الشهر إذا سميته بالاسم العلم ، لم يكن ظرفاً ، وكانت الإقامة أو العمل فيه كله إلا أن تقول شهر كذا ، كما تقدم من كلامنا على شهر رمضان في حديث المبعث ، وكذلك قال سيبويه ، فقول ابن إسحاق : جمادين ورجباً مستقيم على هذا الأصل . وقوله : بقية شهر ربيع ، فلأن العمل والإقامة كان في بعضه : فلذلك لم يقل : بقية ربيع الأول ، لكنه قال : وشهر ربيع الآخر ليزدوج الكلام ويشاكل ما قبله ، وهذا كله من فصاحته رحمه الله أو من فصاحة من كان قبله إن كان رواه على اللفظ . وقوله : وجمادين ورجباً . كان القياس أن يقول : والجمادين بالألف واللام ، لأنه اسم علم ، ولا يثنى العلم ، فيكون معرفةً إلا أن تدخل عليه الألف واللام ، فتقول : الزيدان والعمران ، لكنه أجراه بفصاحته مجرى أبانين وقنوين ، وكل واحد من هذين اسم لجبلين ، ولا تدخله الألف واللام ، لأن تعريفه لم يزل بالتثنية ، لأنهما أبداً متلازمان ، فالتثنية لازمة لهما مع العلمية بخلاف الآدميين ، ولما كان جماديان شهرين متكارهين جعلهما في الزمان كأبانين في المكان ، ولم يجعلهما كالزيدين والعمرين اللذين لا تلازم بينهما ، وهذا كلام العرب . قال الحطيئة : باتت له بكثيب جربة ليلة * وطفاء بين جمادين درور فإن قلت : فقد قالوا : السماكين في النجوم ، وهما متلازمان ، وكذلك السرطان ، قلنا : إنما كان ذلك لوجود معنى الصفة فيهما ، وهو عنده من باب الحارث ، والعباس في الآدميين ، وأكشف سر العلمية في الشهور والأيام وتقسيم أنواع العلمية ، والمراد بها في موضع غير هذا ، وإنما أعجبتني فصاحة ابن إسحاق في قوله : بقية شهر كذا وشهر كذا وجمادين ورجباً وشعبان ونزل الألفاظ عند منازلها عند أرباب اللغة الفاهمين لحقائقها ، يرحمه الله . غزوة عبيدة بن الحارث وذكر في غزوة عبيدة ولقائه المشركين : وعلى المشركين مكرز بن حفص بن الأخيف ،