عبد الرحمن السهيلي
164
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
رأيت الملائكة تغسله في صحاف الفضة بماء المزن بين السماء والأرض ، قال ابن إسحاق ، فسئلت صاحبته ، فقالت : خرج وهو جنب حين سمع الهاتفة . صاحبته يعني امرأته ، وهي جميلة بنت أبي ابن سلول أخت عبد الله بن أبي ، وكان ابتنى بها تلك الليلة ، فكانت عروساً عنده ، فرأت في النوم تلك الليل كأن باباً في السماء فتح له فدخله ، ثم أغلق دونه ، فعلمت أنه ميت من غده ، فدعت رجالاً من قومها حين أصبحت فأشهدتهم على الدخول بها خشية أن يكون في ذلك نزاع ، ذكره الواقدي فيما ذكر لي ، وذكر غيره أنه التمس في القتلى ، فوجدوه يقطر رأسه ماءً ، وليس بقربه ماء تصديقاً لما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم ، وفي هذا الخبر متعلق لمن قال من الفقهاء : إن الشهيد يغسل إذا كان جنباً ، ومن الفقهاء من يقول لا يغسل كسائر الشهداء ، لأن التكليف ساقط عنه بالموت . شعر أبي سفيان : وقول أبي سفيان : وما زال مهري مزجر الكلب منهم * لدن غدوةٍ حتى دنت لغروب يروى بخفض غدوةً ، ونصبها ، فمن خفضه فإعرابه بين ، لأن لدن بمنزلة : عند ، لا يكون ما بعده إلا مخفوضاً ، وأما نصبه فغريب ، وشئ خصت العرب به غدوةً ، ولا يقاس عليها ، وكثيراً ما يذكرها سيبويه ، ويمنع من القياس عليها ، وذلك أن لدن يقال فيها : لدن ولد ، فلما كانت تارةً تنون ، ولا تنون أخرى ، شبهوها إذا نونت باسم الفاعل فنصبوا غدوةً بعدها ، تشبيهاً بالمفعول ، ولولا أن غدوةً ، تنون إذا نكرت ، وتنون ضرورةً إذا كانت معرفةً ما عرف نصبها ، لأنها اسم غير منصرف للعلمية والتأنيث ، فخفضها ونصبها سواء ، فإذا نونت للضرورة ، كما في بيت أبي سفيان أو أردت غدوةً من الغدوات تبين حينئذ أنهم قصدوا النصب والتشبيه بالمفعول ، ووجه آخر من البيان ، وهو أنهم قد رفعوها ، فقالوا : لدن غدوة غير مصروفة ، كما يرفع الاسم بعد اسم الفاعل إذا كان فاعلاً وينصب إذا كان مفعولاً إذا نون اسم الفاعل ، كذلك غدوة بعد لدن ، لا يكون هذا فيها إلا إذا نونت لدن ، فإن قلت : لد غدوة ، لم يكن إلا الخفض إن نونتها ، وإن تركت صرفها للتعريف ، فالفتحة علامة خفضها ، ولا تكون غدوة علماً إلا إذا أردتها ليوم بعينه ، وبكرة مثلها في العلمية ، وليست مثلها مع لدن وضحوة وعشية مصروفتان ، وإن أردتهما ليوم بعينه . وقد فرغنا من كشف أسرار هذا الباب في نتائج الفكر وأوضحنا هنالك بدائع وعجائب لم يبينها أحد إلا أنها منتزعة من فحوى كلام سيبويه ، ومن قواعده التي أصل ، والحمد لله . وقول أبي سفيان في هذا الشعر : بهم خدب . الخدب الهوج : وفي الجمهرة طعنة خدباء إذا هجمت على الجوف ، وهذا هو الذي أراد أبو سفيان بالخدب . وأما قول حسان : إذا عضلٌ سيقت إلينا كأنها * جداية شركٍ معلمات الحواجب شرك : جمع شراك . والجداية : جداية السرج ، على أن المعروف جدية السرج ، لا جدايته في أقرب من هذا المعنى أن يريد الجداية من الوحش ، وبالشرك الأشراك التي تنصب لها ، ولذلك قال : داميات الحواجب ، وهذا أصح في معناه ، فقد ذكر أبو عبيد أن الجداية يقال للواحد والجميع والذكر والأنثى من أولاد الظباء ، ويبعد أن تكون الجداية جمع جدية ، وهي جدية السرج والرحل ، وإن كان قد يقال في الجمع فعال وفعالة نحو جمال وجمالة ، ولكنه ها هنا بعيد من طريق المعنى والله أعلم .