عبد الرحمن السهيلي
129
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
التعدية سواء ، نحو ضرب زيد عمراً ومضرب زيد عمراً ، وأما في حكم البلاغة والعلم بجوهر الكلام ، فلا سواء ، فإن المصدر إذا حددته قلت : ضربة ونومة ، ولا يقال : مضربة ولا منامة ، فهذا فرق ، وفرق آخر تقول : ما أنت إلا نوم وإلا سير إذا قصدت التوكيد ، ولا يجوز : ما أنت إلا منام وإلا مسير ، ومن جهة النظر أن الميم لم ترد إلا لمعنى زائد كالزوائد الأربع في المضارع ، وعلى ما قالوه ، تكون زائدة لغير معنى . فإن قلت : فما ذاك المعنى الذي تعطيه الميم ؟ قلنا : الحدث يتضمن زماناً ومكاناً وحالاً ، فالمذهب عبارة عن الزمان الذي فيه الذهاب ، وعن المكان أيضاً ، فهو يعطي معنى الحدث وشيئاً زائداً عليه ، وكذلك إذا أردت الحدث مقروناً بالحالة والهيئة التي يقع عليها ، قال الله سبحانه : « ومن آياتِه مَنَامُكُمْ بالليلِ والنهار » فأحال على التفكر في هذه الحالة المستمرة على البشر ، ثم قال في آية أخرى : « لا تأخُذُه سِنَةٌ ولا نَوْم » ولم يقل : منام لخلو هذا الموطن من تلك الحالة ، وتعريه من ذلك المعنى الزائد في الآية الأخرى ، ومن لم يعرف جوهر الكلام لم يعرف إعجاز القرآن . عود إلى شعر حسان وفي هذا الشعر : * بنيت على قطنٍ أجمّ كأنّه * قطنها : ثبجها ووسطها ، وأجم أي : لا عظام فيه . وقوله : كأنه فضلاً ، نصب فضلاً على الحال ، أي : كأن قطنها إذا كانت فضلاً ، فهو حال من الهاء في : كأنه ، وإن كان الفضل من صفة المرأة لا من صفة القطن ، ولكن لما كان القطن بعضها صار كأنه حال منها ، ولا يجوز أن يكون حالاً من الضمير في قعدت لاستحالة أن يعمل ما بعد إذا فيما قبلها ، والفضل من النساء والرجال : المتوشح في ثوب واحد ، والمداك صلاءة الطيب ، وهو مفعل من دكت أدوك ، إذا دققت ، ومنه الدوكة والدوكة . وقوله : مر الدموك يقال : دمكه دمكاً ، إذا طحنه طحناً سريعاً ، وبكرة دموك ، أي : سريعة المر ، وكذلك أيضاً : رحىً دموك ، والمحصد الحبل المحكم الفتل ، والرجام : واحد الرجامين ، وهما الخشبتان اللتان تلقى عليهما البكرة ، والرجام أيضاً : جمع رجمة ، وهي حجارة مجتمعة ، جمع رجم وهو القبر ، ومنه قول أبي الطيب : تمتّع من رقادٍ أو سهاد * ولا تأمل كرىً تحت الرّجام فإن لثالث الحالين معنىً * سوى معنى انتباهك والمنام وارقدت : أسرعت ، ومصدره : ارقداد ، وكذلك ارمدت ، وافعل في غير الألوان والخلق عزيز ، وأما انقض فليس منه في شيء ، لأنك تقول في معناه : تقضض البناء ، فالقاف : فاء الفعل ، وكذلك تقضى البازي ، لأنه منه ، وغلط الفسوي في الإيضاح ، فجعل يريد أن ينقض من باب أحمر ، وإنما هو من باب انقد وانجر والنون زائدة ، ووزنه : انفعل ، وكذلك غلط القالي في النوادر فقال في قوله : وجريها انثرار أنه افعلال من النثر ، كما قال الفسوي في الانقضاض ، وإنما هو انفعال من عين ثرة أي كثيرة الماء . ودسنه بحوام يعني : الحوافر ، وما حول الحوافر ، يقال : الحامية ، وجمعه حوام .