عبد الرحمن السهيلي

130

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

وقول الحارث بن هشام : * حتى علوا مهري بأشقر مزبد * يعني : الدم ، ومزبد ، قد علاه الزبد . وقوله : والأحبة فيهم : يعني من قتل أو أسر : من رهطه وإخوته . وقول حسان : بكتيبة خضراء من بلخزرج . العرب تجعل الأسود أخضر ، فتقول : ليل أخضر كما قال : ذو الرمة : قد اعسف النازح المجهول معسفه * في ظلّ أخضر يدعو هامة البوم وتسمي الأخضر أسود ، إذا اشتدت خضرته ، وفي التنزيل : مدهامتان ، قال أهل التأويل : سوداوان من شدة الخضرة . وقوله : بكل أبيض سلجج ، وهو السيف الماضي الذي يقطع الضربة بسهولة ، ومنه المثل : الأخذ سلجان والقضاء ليان ، أي الأخذ سهل يسوغ في الخلق بلا عسر ، كما قالوا : الأخذ سخريط وسريطى والقضاء ضريط وضريطى فسريط من سرطت الشيء إذا بلعته سهلاً ، فسلجج من هذا ، إلا أنهم ضاعفوا الجيم ، كما ضاعفوا الدال من مهدد ، ولم يدغموا إلا أنهم ألحقوه بجعفر . وقوله : بلخزرج ، أراد : بني الخزرج ، فحذف النون لأنها من مخرج اللام ، وهم يحذفون اللام في مثل ، علماء وظلت ، كراهية اجتماع اللامين ، وكذلك أحست كراهية التضعيف ، وفي حديث عائشة رضي الله عنها تربت يمينك وألت ، أرادت : أللت ، أي طعنت من قولهم : ماله أل وغل ، ويروى : ألت فتكون التاء علماً للتأنيث ، أي ألت يدك ، وعندنا فيه رواية ثالثة في كتاب مسلم ، وهي تربت يداك وألت بكسر التاء وتشديد اللام وهي على لغة من يقول في : رددت ردت فيدغم مع ضمير الفاعل ، وهي لغة حكاها سيبويه من أحكام الأفعال المبنية على صيغة المبني للمجهول . وذكر شعر كعب وفيه : لعمر أبيكما يا ابني لؤيٍّ * على زهوٍ لديكم وانتخاء الانتخاء : افتعال من النخوة ، ويقال : نحي الرجل وانتخى . ومن الزهو : زهي وازدهى ، ولا يكون الأمر من مثل هذا إلا باللام كقولك : لتزه يا فلان ولتعن بحاجتي ، وكان القياس أيضاً أن لا يقال من هذا الفعل : ما أفعله ، ولا هو أفعل من كذا ، كما لا يقال في المركوب : ما أركبه ، ولا في المضروب ، ما أضربه ، ولكنه قد جاء في مثل هذه الأفعال : ما أزهاه ، وما أعناه بحاجتي ، وقالوا : هو أشغل من ذات النحيين ، وهو أزهى من غراب ، والفعل في هذا كله زهي وشغل فهو مشغول ومزهو . وقيل في المجنون : ما أجنه حكاه أبو عمر صالح بن إسحاق الجرمي . وقال سيبويه : واعلم أن العرب تقدم في كلامها ما هم به أهم ، وهم ببيانه أعني ، وإن كان جميعاً يهمانهم ، ويعنيانهم ، فقال : أهم وأعنى ، وهو من همهم وعناهم ، فهم به معنيون ! مثل مضروبون ، فجاز في هذا الأفعال ما ترى ، وسبب جوازه : أن المفعول فيها فاعل في المعنى ، فالمزهو متكبر وكذا المنخو والمشغول مشتغل وفاعل لشغله ، والمعني بالأمر كذلك ، والمجنون كالأحمق ، فيقال : ما أجنه ، كما يقال : ما أحمقه ، وليس كذلك مضروب ، ولا مركوب ولا مشتوم ، ولا ممدوح ، فلا يقال في شيء منه : ما أفعله ، ولا هو أفعل من غيره . فإن قلت : فكان ينبغي على هذا القياس أيضاً أن يؤمر فيه بغير اللام ، كما يؤمر الفاعل إذاً ، وقد قلتم : إنه فاعل