عبد الرحمن السهيلي

83

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

وإنما اخترنا هذا المذهب ، وآثرناه على ما تقدم من إضمار الخافض ؛ لأنا قد نجدها في مواضع مجرورة ، ولا يجوز إضمار حرف الجر ، كقولك : سر إلى أن تطلع الشمس ، ولا يجوز إضمار إلى ههنا ، وكذلك تقول : هذا خير من أن تفعل كذا ، ولا يجوز أيضاً إضمار من ، ولو كان حرف الجر معها للعلتين المتقدمتين لاطرد جواز ذلك فيها على الإطلاق ، وإنما هي أبداً إذا لم يكن معها حرف الجر ظاهراً مفعولة بفعل مضمر ، وقد تكون فاعلة ، ولكن بفعل ظاهر نحو : يعجبني أن تقوم ، وأما خرجت أن أرى زيداً فعلى إضمار الإرادة والقصد ، كأنك أردت : أن أراه ، أو أن لا أراه ؛ لأن كل من فعل فعلاً ، فقد أراد به أمراً ما ، لكنك إن جعلت مكانها المصدر لم يجز الإضمار أو قبح ؛ لأن المصدر تعمل فيه الأفعال الظاهرة إذا كانت متعدية ، وتصل إليه بحرف جر إذا لم تكن متعدية ، وأن مع الفعل لا تعمل فيها الحواس ولا أفعال الجوارح الظاهرة ، تقول : رأيت قيام زيد ، ولا تقول : أن يقوم ، وسمعت كلامك ، ولا تقول : سمعت أن تتكلم ، وإنما يتعلق بها ، وتعمل فيها الأفعال الباطنة نحو : خفت واشتهيت وكرهت ، وما كان في معنى هذا أو قريباً منه ، فإذا سمع المخاطب أن مع الفعل لم يذهب وهمه بحكم العادة إلا إلى هذه المعاني ، فإن كانت ظاهرة فذاك ، وإلا اعتقدنا أنها مضمرة ، وأن الفعل الظاهر دال عليها ، وغيرها من الأسماء ليس كذلك ، إذا وقع قبلها فعل من أفعال الجوارح الظاهرة ، وقع عليها إن كان متعدياً أو وصل بحرف ، إن كان غير متعد ، ومنع من الإضمار أنه لفظي ، والإضمار معنوي إلا في باب للمفعول من أجله ، وقد قدمنا فيه سراً بديعاً فيما سبق من هذا الكتاب . فصل : وأنشد لعبد الله بن الحارث شعراً فيه : * كما جحدت عادٌ ومدين والحجر * أما عاد فقد تقدم نسبها ، وأما الحجر فليست بأمة ، ولكنها ديار ثمود . أراد : أهل الحجر ، وأما مدين فأمة شعيب ، وهم بنو مديان بن إبراهيم عليه السلام ، وأمهم : قطورا بنت يقطان الكنعانية ، ولدت له ثمانية من الولد تناسلت منهم أمم ، وقد سميناهم في كتاب التعريف والإعلام ، وفي أول هذا الكتاب . وفيه أيضاً قوله : فإن أنا لم أبرق فلا يسعنني . البيت ، قال : وبه سمي المبرق ، قال المؤلف : وفي هذا حجة على الأصمعي حين منع أن يقال : أرعد وأبرق ، وذكر له قول الكميت : * أرعد وأبرق يا يزيد * فلم يره حجة ، وقال : الكميت جرمقاني من أهل الموصل ليس بحجة ، وألحقه بالمحدثين لتأخر زمانه ، كما فعل بذي الرمة حين احتج عليه بقوله : * ذو زوجةٍ بالمصر أم ذو خصومةٍ * فأبى أن يقول : زوجة بهاء التأنيث ، وقال : طالما أكل ذو الرمة الزيت في حوانيت البقالين ، وبيت المبرق