عبد الرحمن السهيلي
84
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
في هذا حجة بلا خلاف ، وقد وجد أرعد وأبرق في غير هذا البيت ، مما تقوم به الحجة أيضاً ، وبيت المبرق هذا يحتمل وجهاً آخر ، وهو أن يكون من أبرق في الأرض إذا ذهب بها لا من أرعد وأبرق ، وكذلك وجدته في حاشية كتاب الشيخ على هذا البيت منسوباً للمصعب ، قال : الإبراق : الذهاب ، وفي العين : أبرقت الناقة بذنبها إذا ضربت به يميناً وشمالاً ، وهو في معنى الذهاب في الأرض ، لأنه جولان فيها ، وهي البروق ، قال نهشل بن دارم لأخيه سليط وقد لامه على ترك الكلام في بعض المواطن : لا أحسن تأنامك ، ولا تكذابك ، تشول بلسانك شولان البروق . وذكر في الشعر : * يلين ما في النفس إذ بلغ النّقر * ويروى : يلين ما في الصدر . والنقر : البحث عن الشيء ، وأكثر ما يقال فيه : التنقير ، واستشهد عبد الله المبرق في غزوة الطائف ، وكان أبوه الحارث من المستهزئين ، وكان جده قيس أعز قريش في زمانه ، يروى أن عبد المطلب كان ينفز ابنه عبد الله ، والد رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو طفل ، فيقول : كأنه في العز قيس بن عدي * في دار قيس النّديّ ينتدي قاله الزبير بن أبي بكر . حول لام التعجب فصل : وذكر شعر عثمان بن مظعون : * أتيم بن عمروٍ للّذي جاء بغضةً * أراه : عجباً للذي جاء ، والعرب تكتفي بهذه اللام في التعجب ، كقوله عليه السلام : لهذا العبد الحبشي جاء من أرضه وسمائه إلى الأرض التي خلق منها ، قاله في عبد حبشي دفن بالمدينة ، وقال في جنازة سعد بن معاذ وهو واقف على قبره ، وتقهقر ثم قال : سبحان الله لهذا العبد الصالح ضم عليه القبر ثم فرج عنه ، وقيل في قوله سبحانه : « لإيلاف قُرَيْشٍ » أقوال منها : أنها متعلقة بمعنى التعجب ، كأنه قال : اعجبوا لإيلاف قريش ، وبغضةً نصب على التمييز كأنه قال : يا عجباً لما جاء به من بغضة ، ويجوز أن يكون مفعولاً من أجله ، وروى الزبير هذا البيت : * أتيم بن عمرٍ للذي فار ضغنه * من معاني شعر ابن مظعون وكذلك روي في هذا الشعر : في صرح بيطاء تقدع بالطاء وفتح الباء وكسرها ، وقال بيطاء : اسم سفينة ، وتقدع بالدال ، أي : تدفع ، وزعم أن تيم بن عمرو وهو جمح سمي جمحاً ؛ لأن أخاه سهم بن عمرو وكان اسمه زيداً سابقه إلى غاية ، فجمح عنها تيم ، فسمي جمحاً ، ووقف عليها زيد ، فقيل : قد سهم زيد فسمي : سهماً . وقوله : ومن دوننا الشرمان . الشرم : البحر ، وقال الشرمان بالتثنية ؛ لأنه أراد البحر الملح ، والبحر العذب ، وفي التنزيل : « مَرَجَ الْبَحْرَين » والشرم من : شرمت الشيء إذا خرقته ، وكذلك البحر من بحرت الأرض إذا خرقتها ، ومنه سميت البحيرة لخرق أذنها والبرك : ما اطمأن من الأرض واتسع ، ولم يكن منتصباً كالجبال .