عبد الرحمن السهيلي

82

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

فلو كان قبل أن فعل لقلنا : حذف حرف الجر ، فتعدى الفعل ، فنصب ، ولكن أجدر وأحق اسمان لا يعملان ، فمن ههنا عرف النحويون أنه في موضع خفض ؛ إذ لا ناصب له ، وأما ما اعتلوا به من طول الاسم بالصلة ، وأن ذلك هو الذي سوغ لهم إضمار حرف الجر ، فتعليل مدخول ، ينتقض عليهم بالأسماء الموصولة كالذي ومن وما ، فإنها قد طالت بالصلة ، ومع ذلك لا يجوز إضمار حرف الجر فيها ، لا تقول : خرجت ما عندك ، ولا هربت الذي عندك أي : من الذي عندك ، وتقول : خرجت أن يراني زيد ، وفررت أن يراني عمرو ، أي : من أن يراني ، ولأن يراني بدل ، على أن العلة غير ما قالوا ، وهي أن أن مع الفعل ليس باسم محض ، وإنما هو في تأويل اسم ، والاسم المحض ما دل عليه حرف الجر ، فلا بد إذاً من إظهار حرف الجر إذا جئت به ؛ لأنه اسم قابل لدخول الخوافض عليه ، وأما أن فحرف محض لا يصح دخول حرف جر عليه ، ولا على الفعل المتصل به فلا تقول : هو اسم مخفوض ، إنما هو في تأويل اسم مخفوض ، فمن ههنا فرقت العرب بينه ، وبين غيره من الأسماء ، فإذا أدخلت عليه حرف الجر مظهراً جاز ، لأنه في تأويل اسم ، وإذا أضمرت حرف الجر جاز أيضاً التفاتاً إلى أن الحرف الجر لا يدخل على الحرف ، ولا على الفعل فحسن إسقاطه مراعاة للفظ أن ، وللفعل الفعل ، وقلنا : هو في موضع خفض على معنى أن الكلام يؤول إلى الاسم المخفوض ، لا أنه يظهر فيه خفض ، أو يقدر تقدير المبني الذي منعه البناء من ظهور الخفض فيه ، حتى يشبه أن فنقول : هو اسم مبني على السكون ، لا بل نقول : هي حرف ، والحرف لا يدخل عليه حرف الجر ، لا مضمراً ولا مظهراً ، وإنما هو تقدير في المعنى ، لا في اللفظ ، فافهمه . لا يضاف اسم إلى أن المصدرية فصل : واعلم أن أن التي في تأويل المصدر لا يضاف إليها اسم . تقول : هذا موضع أن تقعد ويوم خروجك ، ولا تقول : يوم أن تخرج ؛ لأنها ليست باسم كما قدمنا ، وإنما تضاف إلى الأسماء المحضة ، لا إلى التأويل ، ولا يضاف إليها أيضاً اسم الفاعل ، لا بمعنى المضي ، ولا بمعنى الاستقبال ، ولا المصدر إلا على وجه واحد نحو : مخافة أن تقوم ، وذلك إذا أردت معنى المفعول بأن وما بعدها ، وأما على نحو إضافة المصدر إلى الفاعل ، فلا يجوز ذلك . وإنما تكون فاعلة مع الفعل إذا ذكرته قبلها نحو : يسرني أن تقوم ، وأما مع المصدر مضافاً إليها فلا ، وتكون مفعولة مع المصدر ومع الفعل معاً ، وكل هذا الأسرار بديعة موضعها غير هذا ، لكني أقول ههنا قولاً لائقاً بهذا الموضع ، فإني لم أذكر الخفض بإضمار حرف الجر ، في أن وإن إلا مساعدة لمن تقدم ، فعليه بنيت التعليل والتأصيل ، وإذا أبيت من التقليد فلا إضمار لحروف الجر فيها ، إنما هو النصب بفعل مضمر أو مظهر ، أما قوله تعالى : « أحق أن تقوم فيه » فإنما لما قال أحق علم أنه يوجب عليه أن يقوم فيه ، وكذلك أجدر ألا يعلموا ، ومعنى أجدر : أخلق وأقرب ، ولما ثبتت لهم هذه الصفة اقتضى ذلك ألا يعلموا ؛ فصار منصوباً في المعنى ، ولو جئت بالمصدر الذي هو اسم محض نحو : القيام والعلم لم يصح إضمار هذا الفعل ؛ لأن أجدر وأحق ونحوهما اسمان يضافان إلى ما بعدهما ، فلو جئت بالقيام بعد قولك أحق ، فقلت : أحق قيامك ، لانقلب المعنى . ولو نصبته بإضمار الفعل الذي أضمرت مع أن لم يكن دليل عليه ؛ لأن الاسم يطلب الإضافة ، فيمنع من الإضمار والنصب ، وإذا وقعت بعده لم يطلب الإضافة ؛ لما قدمناه من امتناع إضافة الأسماء إليها .