عبد الرحمن السهيلي
64
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
تتقارب ، وتتحاب أو تتباغض على حسب التشاكل في أصل الخلقة ، وهي معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : فما تعارف منها ائتلف ، وما تناكر منها اختلف . وقد كتب بعض الحكماء إلى صديق له : إن نفسي غير مشكورة على الانقياد إليك بغير زمام ؛ فإنها صادفت عندك بعض جواهرها ، والشيء يتبع بعضه بعضاً . الإنسان روح وجسد فصل : وقد يعبر بالنفس عن جملة الإنسان روحه وجسده ، فتقول : عندي ثلاثة أنفس ، ولا تقول : عندي ثلاثة أرواح ، لا يعبر بالروح إلا عن المعنى المتقدم ذكره ، وإنما اتسع في النفس ، وعبر بها عن الجملة لغلبة أوصاف الجسد على الروح ، حتى صار يسمى نفساً ، وطرأ هذا الاسم بسبب الجسد ، كما يطرأ على الماء في الشجر أسماء على حسب اختلاف أنواع الشجر من حلو وحامض ومر وحريف ، وغير ذلك فتحصل من مضمون ما ذكرنا ألا يقال في النفس : هي الروح على الإطلاق ، حتى تقيد بما تقدم ، ولا يقال في الروح : هو النفس إلا كما يقال في المني هو الإنسان ، أو كما يقال للماء المغذي للكرمة هو : الخمر ، أو الخل ، على معنى أنه ستنضاف إليه أوصاف يسمى بها خمراً أو خلاص ، فتقييد الألفاظ هو : معنى الكلام ، وتنزيل كل لفظ في موضعه ، هو معنى البلاغة فافهمه . النفس فصل : وإذا ثبت هذا فلم يبق إلا قول بلال : أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك ، فذكر النفس ؛ لأنه معتذر من ترك عمل أمر به ، والأعمال مضافة إلى النفس ؛ لأن الأعمال جسدانية ، وقول النبي صلى الله عليه وسلم : إن الله قبض أرواحنا ، فذكر الروح الذي هو الأصل ، لأنه أنسهم من فزعهم ، فأعلمهم أن خالق الأرواح يقبضها إذا شاء ، فلا تنبسط انبساطها في اليقظة وروح النائم وإن وصف بالقبض ، فلا يدل لفظ القبض على انتزاعه بالكلية . كما لا يدل قوله سبحانه في الظل : « ثمَّ قَبَضْنَاه إلينا قَبْضاً يسيراً » الفرقان على إعدام الظل بالكلية ، وقوله تعالى : « اللّه يَتَوَفَّى الأنفسَ » فلم يقل : الأرواح ، لأنه وعظ العباد الغافلين عنه ، فأخبر أنه يتوفى أنفسهم ، ثم يعيدها حتى يتوفاها ، فلا يعيدها إلى الحشر لتزدجر النفوس بهذه العظة عن سوء أعمالها ؛ إذ الآية مكية ، والخطاب للكفار ، وقد تنزلت الألفاظ منازلها في الحديث والقرآن ، وذلك معنى الفصاحة وسر البلاغة . ابن هرمة ونسبه : فصل : واستشهد ابن هشام بقول ابن هرمة ونسبه فقال : فهري : وإنما هو خلجي ، والخلج اسمه : قيس بن الحارث بن فهر ، واختلف في تسمية بني قيس بن الحارث الخلج ، فقيل : لأنهم اختلجوا من قريش وسكان مكة ، وقيل : لأنهم نزلوا بموضع فيه خلج من ماء ، ونسبوا إليه ، وابن هرمة واسمه : إبراهيم بن علي بن هرمة ، وهو شاعر من شعراء الدولة العباسية ، وبيته : وإذا هرقت بكلّ دار عبرةً * نزف الشّؤون ودمعك الينبوع والشؤون : مجاري الدمع ، وهي أطباق الرأس ، وهي أربعة للرجل ، وثلاثة للمرأة ، كذلك ذكروا عن أهل التشريح ، وكذلك ذكر قاسم بن ثابت في الدلائل ، فالله أعلم .