عبد الرحمن السهيلي

59

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

سبحانه قد علم هذا من عمره ، فاللفظ موافق لهذا المعنى ، وإلا ففي القول الأول مقنع ، والله أعلم بما أراد ، فتأمل هذا ، فإن العلم بتنزيل الكلام ، ووضع الألفاظ في مواضعها اللائقة بها يفتح لك باباً من العلم بإعجاز القرآن ، وابن هذا الأصل تعرف المعنى في قوله تعالى : « في يوم كان مِقْدارُه خَمْسين ألْفَ سنة » المعارج . وقوله تعالى : « وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدّون » الحجر وأنه كلام ورد في معرض التكثير والتفخيم ، لطول ذلك اليوم والسنة أطول من العام ، كما تقدم ، فلفظها أليق بهذا المقام . قصة ذي القرنين : فصل : وذكر قصة الرجل الطواف ، والحديث الذي جاء فيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان ملكاً مسح الأرض بالأسباب ، ولم يشرح معنى الأسباب . ولأهل التفسير فيه أقوال متقاربة ، قالوا في قوله تعالى : « وآتيْناه من كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً » الكهف أي : علماً يتبعه ، وفي قوله تعالى : « فأتْبَع سَبَباً » الكهف أي : طريقاً موصلة ، وقال ابن هشام في غير هذا الكتاب السبب : حبل من نور ، كان ملك يمشي به بين يديه ، فيتبعه ، وقد قيل في اسم ذلك الملك : زياقيل ، وهذا يقرب من قول من قال : سبباً أي : طريقاً ، ويقرب أن يكون تفسيراً لقول النبي صلى الله عليه وسلم : مسح الأرض بالأسباب ، واختلف في تسميته بذي القرنين ، كما اختلف في اسمه ، واسم أبيه ، فأصح ما جاء في ذلك ما روي عن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال : سأل ابن الكواء علي بن أبي طالب ، فقال : أرأيت ذا القرنين ، أنبياً كان أم ملكاً ؟ لا نبياً كان ، ولا ملكاً ، ولكن كان عبداً صالحاً دعا قومه إلى عبادة الله ، فضربوه على قرني رأسه ضربتين ، وفيكم مثله . يعني : نفسه ، وقيل : كانت له ضفيرتان من شعر ، والعرب تسمي الخصلة من الشعر : قرناً ، وقيل : إنه رأى في المنام رؤيا طويلة أنه أخذ بقرني الشمس ، فكان التأويل أنه المشرق والمغرب ، وذكر هذا الخبر علي بن أبي طالب القيرواني العابد في كتاب البستان له ، قال : وبهذا سمي ذا القرنين ، وأما اسمه ، فقال ابن هشام في هذا الكتاب : اسمه مرزبى بن مرذبة بذال مفتوحة في اسم أبيه ، وزاي في اسمه ، وقيل فيه : هرمس ، وقيل : هرديس . وقال ابن هشام في غير هذا الكتاب اسمه الصعب بن ذي مراثد ، وهو أول التبابعة ، وهو الذي حكم لإبراهيم عليه السلام في بئر السبع حين حاكم إليه فيها ، وقيل : إنه أفريدون بن أثفيان الذي قتل الضحاك ، ويروى في خطبة قيس بن ساعدة التي خطبها بسوق عكاظ ، أنه قال فيها : يا معشر إباد ! أين الصعب ذو القرنين ، ملك الخافقين ، وأذل الثقلين ، وعمر ألفين ، ثم كان ذلك كلحظة عين ، وأنشد ابن هشام للأعشى : والصعب ذو القرنين أصبح ثاوياً * بالحنو في جدثٍ أُميم مقيم وقوله بالحنو يريد : حنو قراقر الذي مات فيه ذو القرنين بالعراق ، وقول ابن هشام في السيرة : إنه من أهل مصر ، وإنه الإسكندر الذي بنى الإسكندرية ، فعرفت به : قول بعيد مما تقدم ، ويحتمل أن يكون الإسكندر سمي ذا القرنين أيضاً تشبيهاً له بالأول ، لأنه ملك ما بين المشرق والمغرب فيما ذكروا أيضاً ، وأذل ملوك فارس ، وقتل دارا بن دارا ، وأذل ملوك الروم وغيرهم ، وقال الطبري في الإسكندر : وهو إسكندروس بن قليقوس ، ويقال فيه : ابن قليس ، وكانت أمه زنجية ، وكانت أهديت لدارا الأكبر أو سباها ، فوجد منها نكهةً