عبد الرحمن السهيلي

60

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

استثقلها ، فعولجت ببقلة ، يقال لها : أندروس ، فحملت منه بدارا الأصغر ، فلما وضعته ردها ، فتزوجها والد الإسكندر ، فحملت منه بالإسكندروس ، فاسمه عندهم مشتق من تلك البقلة التي طهرت أمه بها فيما ذكروا ، وذكر عن الزبير : أنه قال : ذو القرنين هو : عبد الله بن الضحاك بن معد وقال ابن حبيب في المحبر في ذكر ملوك الحيرة ، قال : الصعب بن قرين بن الهمال : هو ذو القرنين ، ويحتمل أن يكونوا ملوكاً في أوقات شتى ، يسمى كل واحد منهم : ذا القرنين والله أعلم . والأول كان على عهد إبراهيم عليه السلام ، وهو صاحب الخضر حين طلب عين الحياة فوجدها الخضر ، ولم يجدها ذو القرنين ، حالت بينه وبينها الظلمات التي وقع فيها هو وإجناده في خبر طويل مذكور في بعض التفاسير مشهور عند الأخباريين . التسمي بأسماء الأنبياء : وأما قول عمر لرجل سمعه يقول : يا ذا القرنين : لم يكفكم أن تتسموا بالأنبياء حتى تسميتم بالملائكة ، إن كان عمر قاله بتوقيف من الرسول عليه السلام ، فهو ملك ، لا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الحق ، وإن كان قاله بتأويل تأوله فقد خالفه علي في الخبر المتقدم ، والله أعلم أي الخبرين أصح نقلاً ، غير أن الرواية المتقدمة عن علي يقويها ما نقله أهل الأخبار عن ذي القرنين ، والله أعلم . وكان من مذهب عمر رحمه الله كراهية التسمي بأسماء الأنبياء ، فقد أنكر على المغيرة تكنيته بأبي عيسى ، وأنكر على صهيب تكنيته بأبي يحيى ، فأخبر كل واحد منهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كناه بذلك ، فسكت ، وكأن عمر إنما كره من ذلك الإكثار ، وأن يظن أن للمسلمين شرفاً في الاسم إذا سمي باسم نبي ، أو أنه ينفعه ذلك في الآخرة ، فكأنه استشعر من رعيته هذا الغرض أو نحوه ، هو أعلم بما كره من ذلك . وإلا فقد سمى بمحمد طائفة من الصحابة منهم : أبو بكر وعلي وطلحة وأبو حذيفة وأبو جهم بن حذيفة ، وخاطب وخطاب ابنا الحارث ، كل هؤلاء المحمدين كانوا يكنون بأبي القاسم إلا محمد بن خطاب ، وسمى أبو موسى ابناً له بموسى ، فكان يكنى به ، وأسيد بن حضير سمى ابنه بيحيى ، وعلم به النبي عليه السلام فلم ينكر عليه ، وكان لطلحة عشرة من الولد ، كلهم يسمى باسم نبي ، منهم : موسى بن طلحة عيسى ، وإسحق ويعقوب وإبراهيم ، ومحمد ، وكان للزبير عشرة ، كلهم يسمى باسم شهيد ، فقال له طلحة : أنا أسميهم بأسماء الأنبياء ، وأنت تسميهم بأسماء الشهداء ، فقال له الزبير : فإني أطمع أن يكون بني شهداء ، ولا تطمع أنت أن يكون بنوك أنبياء ، ذكره ابن أبي خيثمة ، وسمى رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنه إبراهيم ، والآثار في هذا المعنى كثيرة ، وفي السنن لأبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : سموا بأسماء الأنبياء ، وهذا محمول على الإباحة ، لا على الوجوب ، وأما التسمي بمحمد ، ففي مسند الحارث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ما كان له ثلاثة من الولد ، ولم يسم أحدهم بمحمد ، فقد جهل ، وفي المعيطي عن مالك أنه سئل عمن اسمه محمد ، ويكنى أبا القاسم ، فلم ير به بأساً ، فقيل له : أكنيت ابنك أبا القاسم ، واسمه محمد ؟ فقال : ما كنيته بها ولكن أهله يكنونه بها ، ولم أسمع في ذلك نهياً ، ولا أرى بذلك بأساً ، وهذا يدل على أن مالكاً لم يبلغه ، أو لم يصح عنده حديث النهي عن ذلك ، وقد رواه أهل الصحيح فالله أعلم ولعله بلغه حديث عائشة أنه عليه السلام قال : ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي ؟ وهذا هو الناسخ لحديث