عبد الرحمن السهيلي

50

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

فلا واللّه نسلمه لقوم * ولمّا نقض فيهم بالسيوف ونترك منهم قتلى بقاعٍ * عليها الطير كالورد العكوف وقد خبّرت ما صنعت ثقيف * به ، فجزى القبائل من ثقيف إله الناس شرّ جزاء قومٍ * ولا أسقاهم صوب الخريف الآيات التي طلبتها قريش : فصل : وذكر ما سأله قومه من الآيات وإزالة الجبال عنهم ، وإنزال الملائكة عليه ، وغير ذلك ، جهلاً منهم بحكمة الله تعالى في امتحانه الخلق ، وتعبدهم بتصديق الرسل ، وأن يكون إيمانهم عن نظر وفكر في الأدلة ، فيقع الثواب على حسب ذلك ، ولو كشف الغطاء ، وحصل لهم العلم الضروري ، بطلت الحكمة التي من أجلها يكون الثواب والعقاب ، إذ لا يؤجر الإنسان على ما ليس من كسبه ، كما لا يؤجر على ما خلق فيه من لون وشعر ونحو ذلك ، وإنما أعطاهم من الدليل ما يقتضي النظر فيه العلم الكسبي ، وذلك لا يحصل إلا بفعل من أفعال القلب ، وهو النظر في الدليل ، وفي وجه دلالة المعجزة على صدق الرسول ، وإلا فقد كان قادراً سبحانه أن يأمرهم بكلام يسمعونه ، ويغنيهم عن إرسال الرسل إليهم ، ولكنه سبحانه قسم الأمر بين الدارين ، فجعل الأمر يعلم في الدنيا بنظر واستدلال وتفكر واعتبار ؛ لأنها دار تعبد واختبار ، وجعل الأمر يعلم في الآخرة بمعاينة واضطرار ، لا يستحق به ثواب ولا جزاء ، وإنما يكون الجزاء فيها على ما سبق في الدار الأولى ، حكمة دبرها ، وقضية أحكمها ، وقد قال الله تعالى : « وما منعنا أن نُرْسِلَ بالآيات إلاّ أنْ كَذَّبَ بها الأَوَّلُونَ » الإسراء . يريد فيما قال أهل التأويل إن التكذيب بالآيات نحو ما سألوه من إزالة الجبال عنهم وإنزال الملائكة يوجب في حكم الله ، ألا يلبث الكافرين بها ، وأن يعاجلهم بالنقمة ، كما فعل بقوم صالح وبآل فرعون ، فلو أعطيت قريش ما سألوه من الآيات ، وجاءهم بما اقترحوا ثم كذبوا لم يلبثوا ، ولكن الله أكرم محمداً في الأمة التي أرسله إليهم ؛ إذ قد سبق في علمه أن يكذب به من يكذب ، ويصدق به من يصدق ، وابتعثه رحمة للعالمين بر وفاجر ، أما البر فرحمته إياهم في الدنيا والآخرة ، وأما الفاجر ، فإنهم أمنوا من الخسف والغرق وإرسال حاصب عليهم من السماء . كذلك قال بعض أهل التفسير في قوله : « وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين » الأنبياء مع أنهم لم يسألوا ما سألوا من الآيات إلا تعنتاً واستهزاءً ، لا على جهة الاسترشاد ، ودفع الشك ، فقد كانوا رأوا من دلائل النبوة ما فيه شفاء لمن أنصف ، قال الله سبحانه : « أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أنَّا أنزلنا عليك الكتاب » العنكبوت الآية ، وفي هذا المعنى قيل : لو لم تكن فيه آياتٌ مبيّنة * كانت بداهته تنبيك بالخبر وقد ذكر ابن إسحاق في غير هذه الرواية أنهم سألوا أن يجعل لهم الصفا ذهباً ، فهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يدعو الله لهم ، فنزل جبريل ، فقال لهم : ما شئتم إن شئتم فعلت ما سألتم ، ثم لا نلبثكم إن كذبتم بعد معاينة الآية ، فقالوا : لا حاجة لنا بها .