عبد الرحمن السهيلي

298

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

المرجومة من اليهود : فصل : وذكر المرجومة من اليهود ، وأن صاحبها الذي رجم معها حنا عليها بنفسه ليقيها الحجارة . حنا بالحاء تقيد في إحدى الروايتين عن أبي الوليد ، وكذلك في الموطأ من رواية يحيى ، فجعل يحنى عليها ، وفي الروية الأخرى عن أبي الوليد : جنأ بالجيم والهمز ، وعلى هذه الرواية فسره أبو عبيد ، والجناء : الانحناء ، قال الشاعر عوف بن محلم : وبدلتني بالشّطاط الجنا * وكنت كالصّعدة تحت السّنان وفي حنوه عليها من الفقه : أنهما لم يكونا في حفرتين ، كما ذهب إليه كثير من الفقهاء في سنة الرجم ، وكذلك روي عن علي رحمه الله ، أنه حفر لشراحة بنت مالك الهمدانية حين رجمها . وأما الأحاديث فأكثرها على ترك الحفر للمرجوم ، واسم هذه المرجومة : بسرة فيما ذكر بعض أهل العلم ، وفي قصتهما أنزل الله : « وكيف يُحَكِّمونك وعِنْدَهم التَّوْرَاةُ » الآية إلى قوله : « يحكم بها النبيون الذين أسلموا » ، يعني محمداً ، ومن حكم بالرجم قبله ، لأنه حكم بالرجم لأولئك اليهود الذين تحاكموا إليه ، والربانيون . يعني : عبد الله بن سلام وابن صوري من الأحبار بما استحفظوا من كتاب الله ، لأنهم حفظوا أن الرجم في التوراة ، لكنهم بدلوا وغيروا ، وكانوا عليه شهداء ؛ لأنهم شهدوا بذلك على اليهود إلى قوله : « ومن لم يَحْكُم بما أنزل اللّه » فحكم بالرجم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهذا يبين لك أن الرجم في القرآن ، وعلى هذا فسره مالك فيما بلغني ، ولذلك قال عليه السلام للرجلين : لأحكمن بينكما بكتاب الله ، فحكم بالرجم ، كما في الكتاب المنزل على موسى ، وعلى محمد صلى الله عليهما ، وقد قيل في معنى الحديث أقوال غير هذا ، والصحيح ما ذكرنا . واستشهد ابن هشام في تفسير الجهرة بقول أبي الأخزر الحماني ، واسمه : قتيبة ، وحمان هو ابن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم ، فقال : * يجهر أفواه المياه السّدم * يقال : ماء سدام إذا غطاه الرمل ، وجمعه : سدم ، وجمعه على سدم غريب ، ويقال أيضاً سدام وأسدام ونحو من قوله يجهر قول عائشة رضي الله عنها في أبيها . واجتهر لهم عين الرواء ، وأنشد في تفسير القوم وأنه البر : فوق شيزى مثل الجوابي عليها * قطعٌ كالوذيل في نقي فوم الشيزى : خشب أسود تصنع منه الجفاء مفردها : جفنة ، وهي القصعة ، والجوابي : جمع جابية : الحوض يجبى فيه الماء للإبل ، والوذيل : جمع وذيلة وهي السبيكة من الفضة . قال الشاعر : وتريك وجهاً كالوذي * لة لا ريّان ممتلئ ولا جهم ومنه قول عمرو بن العاص لمعاوية : أما والله لقد ألفيت أمرك ، وهو أشد انفضاحاً من حق الكهول . كذلك رواه الهروي ، وقال ابن قتيبة : الكهدل ، فما زلت أرمه بوذائله ، وأصله ، بوصائله ، حتى تركته على مثل فلكة المدر . حق الكهول : بيت العنكبوت ، وكما قاله الهروي ، قاله أبو عمر الزاهد في كتاب الياقوت ، كما وقع في غريب الحديث للقتبي قاله أبو عبد الله بن القزاز في الكتاب الكبير ، قال : الكهدل : العنكبوت ، وقيل : في الكهول إنه ثدي العجوز ، وفي العين الوذيلة : المرآة ، وقيل في الفوم : إنه الثوم ، واختاره ابن قتيبة ، واحتج بأنه في مصحف عبد الله بن مسعود : وثومها ، ولا حجة في هذا لما ذكره أبو حنيفة في النبات : أن الثوم ، هو البر ، وأنه يقال بالفاء وبالثاء ، ومن الشاهد على الفوم وأنه البر قول أبي أحيحة بن الجلاح ، وقيل هو لأبي محجن الثقفي :