عبد الرحمن السهيلي
295
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
الله صلى الله عليه وسلم رؤيا ، وقال فيها : رأيتك يا رسول الله على منبر له سبع درجات ، وإلى جنبه ناقة عجفاء ، كأنك تبعثها ، ففسر له النبي صلى الله عليه وسلم الناقة بقيام الساعة التي أنذر بها ، وقال في المنبر : ودرجاته الدنيا : سبعة آلاف سنة بعثت في آخرها ألفاً ، والحديث وإن كان ضعيف الإسناد ، فقد روي موقوفاً على ابن عباس من طرق صحاح ، أنه قال : الدنيا سبعة أيام كل يوم ألف سنة ، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر يوم منها . وقد مضت منه سنون ، أو قال : مئون ، وصحح أبو جعفر الطبري هذا الأصل ، وعضده بآثار ، وذكر قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثت أنا والساعة كهاتين ، وإنما سبقتها بما سبقت هذه هذه ، يعني : الوسطى والسبابة ، وأورد هذا الحديث من طرق كثيرة صححها وأورد منها قوله عليه السلام : لن يعجز الله أن يؤخر هذه الأمة نصف يوم ، يعني : خمسمائة عام ، وقد خرج ، هذا الحديث الأخير أبو داود أيضاً . قال الطبري : وهذا في معنى ما قبله يشهد له ويبينه فإن الوسطى تزيد على السبابة بنصف سبع أصبع ، كما أن نصف يوم من سبعة نصف سبع . قال المؤلف : وقد مضت الخمسمائة من وفاته إلى اليوم بنيف عليها ، وليس في قوله : لن يعجز الله أن يؤخر هذه الأمة نصف يوم ما ينفي الزيادة على النصف ، ولا في قوله : بعثت أنا والساعة كهاتين ما يقطع به على صحة تأويله ، فقد قيل في تأويله غير هذا ، وهو أن ليس بينه وبين الساعة نبي غيره ، ولا شرع غير شرعه مع التقريب لحينها ، كما قال سبحانه : « اقْتَرَبَتِ الساعةُ وانشق القمر » ، « وأتى أمرُ اللّه فلا تَسْتَعجِلوه » ولكن إذا قلنا : إنه عليه السلام بعث في الألف الآخر بعدما مضت منه سنون ، ونظرنا بعد إلى الحروف المقطعة في أوائل السور ، وجدناها أربعة عشر حرفاً يجمعها : قولك : * ألم يسطع نص حق كره * ثم نأخذ العدد على حساب أبي جاد ، فنجد : ق مائة ، و : ر مائتين ، و : س ثلاثمائة ، فهذه ستمائة ، و : ع سبعين ، و : ص ستين ، فهذه سبعمائة وثلاثون ، و : ن خمسين ، و : ك عشرين ، فهذه ثمانمائة ، و : م أربعين ، و : ل ثلاثين ، فهذه ثمانمائة وسبعون ، و : ي عشرة . و : ط تسعة ، و : أواحد ، فهذه ثمانمائة وتسعون ، و : ح ثمانية ، و : ه خمسة ، فهذه تسعمائة وثلاثة ، ولم يسم الله سبحانه في أوائل السور إلا هذه الحروف ، فليس يبعد أن يكون من بعض مقتضياتها وبعض فوائدها الإشارة إلى هذا العدد من السنين لما قدمناه في حديث الألف السابع الذي بعث فيه عليه السلام ، غير أن الحساب محتمل أن يكون من مبعثه ، أو من وفاته ، أو من هجرته ، وكل قريب بعضه من بعض ، فقد جاء أشراطها ، ولكن لا تأتيكم إلا بغتةً ، وقد روي أن المتوكل العباسي سأل جعفر بن عبد الواحد القاضي ، وهو عباسي أيضاً : عما بقي من الدنيا ، فحدثه بحديث يرفعه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن أحسنت أمتي ، فبقاؤها يوم من أيام الآخرة ، وذلك ألف سنة ، وإن أساءت ، فنصف يوم ، ففي هذا الحديث تتميم للحديث المتقدم وبيان له ؛ إذ قد انقضت الخمسمائة ، والأمة باقية والحمد لله . معاني الحروف التي في أوائل السور : فصل : ولهذه الحروف في أوائل السور معان جمة وفوائد لطيفة ، وما كان الله تعالى لينزل في الكتاب ما لا فائدة فيه ، ولا ليخاطب نبيه وذوي ألباب من صحبه بما لا يفهمون ، وقد أنزله بياناً للناس ، وشفاءً لما في الصدور ، ففي تخصيصه هذه الحروف الأربعة عشر بالذكر دون غيرها حكمة بل حكم ، وفي إنزالها مقطعة على هيئة التهجي فوائد علمية وفقهية ، وفي تخصيصه إياها بأوائل السور ، وفي أن كانت في بعض السور ، دون بعض فوائد أيضاً ، وفي اقتران الألف باللام ، وتقدمها عليها معان وفوائد ، وفي إرداف