عبد الرحمن السهيلي

296

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

الألف واللام بالميم تارةً ، وبالراء أخرى ، ولا توجد الألف ، واللام في أوائل السور ، إلا هكذا مع تكررها ثلاث عشرة مرة فوائد أيضاً ، وفي إنزال الكاف قبل الهاء ، والهاء قبل الياء ثم العين ثم الصاد من كهيعص معان أكثرها تنبه عليها آيات من الكتاب ، وتبين المراد بها لمن تدبرها . والتدبر والتذكر واجب على أولي الألباب ، والخوض في إيراد هذه المعاني ، والقصد لإيضاح ما لاح لي عند الفكر والنظر فيها ، مع إيراد الشواهد على ذلك من كتاب وأثر وعربية ونظر يخرجنا عن مقصود الكتاب وينأى بنا عن موضوعه والمراد به ، ويقتضي إفراد جزء أشرح ما أمكن من ذلك ، ولعله أن يكون ، إن ساعد القدر ؛ والله المستعان ، وهو ولي التوفيق ، لا شريك له . تحويل القبلة : فصل : وذكر تحويل القبلة ، وما قالته جماعة يهود حين قالوا : يا محمد ما ولاك عن قبلتك ، وهم السفهاء من الناس ، فيهم نزلت هذه الآية . وقال : سيقول بلفظ الاستقبال لتقدم العلم القديم بأنهم سيقولون ذلك ، أي : لم آمركم بتحويلها إلا وقد علمت أن سيقولون ما قالوه ، وقد ذكرنا في حديث الهجرة ، قصة البراء بن معرور فوائد في معنى تحويل القبلة ، فلتنظر هنالك وأنشد في تفسير الشطر بيت ابن أحمر : تعدو بنا شطر جمعٍ وهي عاقدةٌ * قد قارب العقد من إيفادها الحقبا وألفيت في حاشية الشيخ على هذا البيت ما هذا نصه ، قال من إيفادها : من إشرافها ، كذا قال محمد بن عبد الله البرقي ، وقال : كارب موضع قارب ، ووقع في شعر ابن أحمر : تعدو بنا عرض جمعٍ وهي موقدةٌ * قد قارب الغرض من إيفادها الحقبا تعدو : من العدو بنا وبرحلي : يعني غلامه . عرض جمع : يعني مكة ، وعرض أحب إلي ، وعرض : كثرة الناس ، عن الأصمعي ، وموفدة ، أي : مشرفة . أوفد : إذا أشرف ، وروى غيره : وهي عاقدة ، يريد عنقها لاويتها والغرض : البطان وهو حزام الرحل . من إيفادها ، أي إشرافها ، وقد اقتادت : نصبت عنقها وعصرت بذنبها وتخامصت ببطنها فقرب كل واحد من الغرض والحقب من صاحبه بذلك . هنا انتهى ما كتبه الشيخ على هذا البيت وأوردته وقبل البيت : أنشأت أسأله عن حال رفقته * فقال : حيّ فإن الركب قد نصبا ما أنزل الله في بني قينقاع : فصل : وذكر ما أنزل الله سبحانه في بني قينقاع ، وقولهم للنبي صلى الله عليه وسلم : لو حاربتنا ، لعلمت أنا نحن الناس : « قل للذين كفروا سَتُغلبُون » إلى قوله : « تَرَوْنَهُم مُثْلَيْهم رَأْيَ العين » فمن قرأه : يرونهم بالياء ، فمعناه أن الكفار يرون المؤمنين مثليهم ، وإن كانوا أقل منهم لما كثرهم بالملائكة . فإن قيل : وكيف وهو يقول في آية أخرى : « ويُقَلِّلَكُمْ في أعينهم » قيل : كان هذا قبل القتال عندما حرز الكفار المؤمنين ، فرأوهم قليلاً ، فتجاسروا عليهم ثم أمدهم الله بالملائكة ، فرأوهم ، كثيراً فانهزموا ، وقيل : إن الهاء في يرونهم عائدة على الكفار ، وإن المؤمنين رأوهم مثليهم ، وكانوا ثلاثة أمثالهم ، فقللهم في عيون المؤمنين ، وأما من قرأها بالتاء ، فيجوز أن يكون الخطاب لليهود ، أي ترون المشركين يوم بدر مثلي المؤمنين ، وذلك أنهم كانوا ألفاً ، فانخذل عنهم الأخنس بن شريق ببني زهرة ، فصاروا سبعمائة أو نحوها ، ويجوز أن يكون الخطاب للمشركين ، أي : ترون أيها المشركون المؤمنين مثليهم ، حين أمدهم الله بالملائكة فيعود الكلام إلى المعنى الأول الذي قدمناه في قراءة من قرأ بالياء . وفي الآية تخليط عن الفراء أضربنا عن ذكره ، وجل ما ذكرناه آنفاً مذكور في التفاسير بألفاظ مختلفة .