عبد الرحمن السهيلي

286

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

قال المؤلف : وأخلق بهذا الحديث أن يكون صحيحاً لما يعضده ويشاكله من أحاديث الإسراء فبمجموعها يحصل أن معاني الصلاة كلها وأكثرها ، قد جمعها ذلك الحديث ، أعني الإسراء ، لأن الله سبحانه رفع الصلاة إلي هي مناجاة عن أن تفرض في الأرض ، لكن بالحضرة المقدسة المطهرة ، وعند الكعبة العليا ، وهي البيت المعمور ، وقد ذكرنا طرفاً من هذا الغرض ، ونبذاً من هذا المقصد في شرح حديث الإسراء وينضاف إليها في هذا الحديث ذكر الأذان الذي تضمنه حديث البزار مع ما روي أيضاً أنه مر وهو على البراق بملائكة قيام ، وملائكة ركوع ، وملائكة سجود وملائكة جلوس ، والكل يصلون لله ، فجمعت له هذه الأحوال في صلاته ، وحين مثل بالمقام الأعلى ، ودنا فتدلى ألهم أن يقول : التحيات لله إلى قوله : الصلوات لله ، فقالت الملائكة : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، فقال السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، فقالت الملائكة : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً رسول الله ، فجمع ذلك له في تشهده . وانظر بقلبك كيف شرع له عليه السلام ولأمته أن يقولوا تسع مرات في اليوم والليلة في تسع جلسات في الصلوات الخمس بعد ذكر التحيات : السلام علينا ، وعلى عباد الله الصالحين ، فيحيون ويحيون تحية من عند الله مباركة طيبة ، ومن قوله : السلام علينا كما قيل لهم ، فسلموا على أنفسكم تحيةً من عند الله ، ومن ثم قال : الطيبات المباركات ، كما في رواية ابن عباس في التشهد انظر إلى هذا كله كيف حيا وحيي تسع مرات ، حيته ملائكة كل سماء ، وحياهم ، ثم ملائكة الكرسي ، ثم ملائكة العرش ، فهذه تسع ، فجعل التشهد في الصلوات على عدد تلك المرات التي سلم فيها وسلم عليه ، وكلها تحيات لله ، أي : من عند الله مباركة طيبة ، هذا إلى نكت ذكرناها في شرح سبحان الله وبحمده ، فإذا جمعت بعض ما ذكرناه إلى بعض عرفت جملة من أسرار الصلاة وفوائدها الجلية دون الخفية ، وأما بقية أسرارها وما تضمنته أحاديث الإسراء من أنوارها ، وما في الأذان من لطائف المعاني والحكم ، في افتتاحه بالتكبير وختمه بالتكبير مع التكرار ، وقول : لا إله إلا الله في آخره ، وأشهد أن لا إله إلا الله في أوله ، وما تحت هذا كله من الحكم الإلهية التي تملأ الصدور هيبة وتنور القلوب بنور المحبة ، وكذلك ما تضمنته الصلاة في شفعها ووترها والتكبير في أركانها ، ورفع اليدين في افتتاحها ، وتخصيص البقعة المكرمة بالتوجه إليها ، مع فوائد الوضوء من الأحداث لها ، فإن في ذلك كله من فوائد الحكمة ، ولطائف المعرفة ما يزيد في ثلج الصدور ، ويكحل عين البصيرة بالضياء والنور ، ونعوذ بالله أن ننزع في ذلك بمنزع فلسفي أو مقالة بدعي ، أو رأي مجرد من دليل شرعي ، ولكن بتلويحات من الشريعة ، وإشارات من الكتاب والسنة يعضد بعضها بعضاً ، وينادي بعضها بتصديق بعض : « ولَوْ كَانَ من عند غيرِ اللّه لوَجَدوا فيه اخْتِلاَفاً كثيراً » النساء . لكن أضربنا في هذا الكتاب عن بث هذه الأسرار ، فإن ذلك يخرج عن الغرض المقصود ، ويشغل عما صمدنا إليه في أول الكتاب ، ووعدنا به الناظر فيه من شرح لغات وأنساب وآداب ، والله المستعان . وقد عرفت رؤيا عبد الله بن زيد وكيفيتها برواية ابن إسحاق وغيره ، ولم تعرف كيفية رؤيا عمر حين أري النداء ، وقد قال : قد رأيت مثل الذي رأى ، لكن في مسند الحارث بيان لها . روى الحارث بن أبي أسامة في مسنده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أول من أذن بالصلاة جبريل أذن بها في سماء الدنيا فسمعه عمر وبلال فسبق عمر بلالاً إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بها ، فقال عليه السلام لبلال : سبقك بها عمر ، وذكر باقي الحديث . وظاهر هذا الحديث أن عمر سمع ذلك في اليقظة ، وكذلك رؤيا عبد الله بن زيد في الأذان رآها ، وهو بين النائم واليقظان : قال : ولو شئت لقلت : كنت يقظاناً .