عبد الرحمن السهيلي

287

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

فصل : وأما قول السائل : هل أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه قط ، فقد روى الترمذي من طريق يدور على عمر بن الرماح يرفعه إلى أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أذن في سفر ، وصلى بأصحابه ، وهم على رواحلهم ، السماء من فوقهم والبلة من أسفلهم ، فنزع بعض الناس بهذا الحديث إلى أنه أذن بنفسه ، وأسنده الدارقطني بإسناد الترمذي إلا أنه لم يذكر عمر بن الرماح ، ووافقه فيما بعده من إسناد ومتن ، لكنه قال فيه : فقام المؤذن ، فأذن ، ولم يقل : أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم والمتصل يقضي على المجمل المحتمل ، والله أعلم . حديث صرمة بن أبي أنس واسم أبي أنس : قيس بن صرمة بن مالك بن عدي بن عمرو بن غنم بن عدي بن النجار الأنصاري ، وهو الذي أنزل الله فيه ، وفي عمر رضي الله عنهما : « أحِلَّ لكم ليلَة الصِّيام الرَّفَثُ إلى نِسائكم » البقرة إلى قوله : « وعفا عنكم » فهذه في عمر ، ثم قال : « وكُلوا واشْرَبُوا » إلى آخر الآية ، فهذه في صرمة بن أبي أنس ، وذلك أن إتيان النساء ليلاً في رمضان كان محرماً عليهم في أول الإسلام بعد النوم ، وكذلك الأكل والشرب كان محرماً عليهم بعد النوم فأما عمر ، فأراد امرأته ذات ليلة ، فقالت له : إني قد نمت ، فقال : كذبت ثم وقع عليها ، وأما صرمة فإنه عمل في حائطه وهو صائم ، فجاء الليل وقد جهده الكلال فغلبته عينه قبل أن يفطر ، فجاءته امرأته بطعام كانت قد صنعته له ، فوجدته قد نام ، فقالت له : الخيبة لك حرم عليك الطعام والشراب فبات صائماً ، وأصبح إلى حائطه يعمل فيه ، فمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهو طليح قد جهده العطش مع ما به من الجوع والنصب ، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بقصته فرق عليه السلام ، ودمعت عيناه ، فأنزل الله تعالى الرخصة ، وجاء بالفرج . بدأ بقصة عمر لفضله ، فقال : « فالآن باشِرُوهن » ثم بصرمة فقال : « وكُلوا واشْرَبُوا » قال بعض أشياخ الصوفية : هذه العناية من الله أخطأ عمر خطيئة فرحمت الأمة بسببها . من شرح شعره وذكر من شعر صرمة : فأوصيكم باللّه والبرّ والتّقى * وأعراضكم والبرّ باللّه أوّل برفع البر على الابتداء ، وأول خبر له ، وقد يحتمل في الظاهر أن يكون ظرفاً في موضع الخبر ، ولكن لا يجوز ذلك في هذه الظروف المبنية على الضم أن تكون خبر المبتدأ ، لا تقول : الصلاة ، قبل إلا أن تقول : قبل كذا ، ولا الخروج بعد إلا أن تقول : بعد كذا ، وذلك لسر دقيق قد حوم عليهما ابن جني فلم يصب المفصل ، والذي منع من ذلك أن هذه الغايات إنما تعمل فيها الأفعال الملفوظ بها لأنها غايات لأفعال متقدمة ، فإذا لم تأت بفعل يعمل فيها ، لم تكن غايةً لشيء مذكور ، وصار العامل فيها معنوياً ، وهو : الاستقرار ، وهي مضافة في المعنى إلى شيء ، والشيء المضاف إليه معنوي ، لا لفظي ، فلا يدل العامل المعنوي على معنوي آخر ، إنما يدل عليه الظاهر اللفظي ، فتأمله ، فالضمة في أول على هذا حركة إعراب ، لا حركة بناء ، ولو قال : ابدأ بالبر أول لكانت حركة بناء ، لكن من رواه : والبر بالله أول بخفض الراء من البر فأول حينئذ ظرف مبني على الضم يعمل فيه : أوصيكم . وفيه : وإن أنتم أمعر * تم فتعففوا الإمعار : الفقر . ومن شعره : سبّحوا اللّه شرق كلّ صباح * طلعت شمسه وكلّ هلالٍ