عبد الرحمن السهيلي
285
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
أحبها لنفسي ، فقال : ليؤذن بلال ، ولتقم أنت ، ففي هذا من الفقه جواز أن يؤذن الرجل ، ويقيم غيره وهو معارض لحديث زياد بن عبد الله الصدئي حين قال له النبي صلى الله عليه وسلم : من أذن فهو أحق أن يقيم ، في حديث طويل إلا أنه يدور على عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي وهو ضعيف ، والأول أصح منه . قال أبو داود : وتزعم الأنصار أن عبد الله بن زيد حين رأى النداء كان مريضاً ، ولولا ذلك لأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأذان ، وقد تكلمت العلماء في الحكمة التي خصت الأذان بأن رآه رجل من المسلمين في نومه ، ولم يكن عن وحي من الله لنبيه كسائر العبادات والأحكام الشرعية ، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم له : إنها لرؤيا حق ، ثم بنى حكم الأذان عليها ، وهل كان ذلك عن وحي من الله له ، أم لا ؟ وليس في الحديث دليل على أن قوله ذلك كان عن وحي ، وتكلموا : لم لم يؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ وهل أذن قط مرةً من عمره دهره أم لا ؟ . فأما الحكمة في تخصيص الأذان برؤيا رجل من المسلمين ولم يكن عن وحي فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أريه ليلة الإسراء ، وأسمعه مشاهدةً فوق سبع سماوات ، وهذا أقوى من الوحي ، فلما تأخر فرض الأذان إلى المدينة ، وأرادوا إعلام الناس بوقت الصلاة تلبث الوحي حتى رأى عبد الله الرؤيا ، فوافقت ما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ فلذلك قال : إنها لرؤيا حق إن شاء الله ، وعلم حينئذ أن مراد الحق بما رآه في السماء ، أن يكون سنةً في الأرض ، وقوى ذلك عنده موافقة رؤيا عمر للأنصاري مع أن السكينة تنطق على لسان عمر واقتضت الحكمة الإلهية أن يكون الأذان على لسان غير النبي صلى الله عليه وسلم من المؤمنين ، لما فيه من التنويه من الله لعبده ، والرفع لذكره ، فلأن يكون ذلك على غير لسانه أنوه به وأفخم لشأنه ، وهذا معنىً بين فإن الله سبحانه يقول : « ورَفَعْنَا لك ذِكْرَك » الشرح فمن رفع ذكره أن أشاد به على لسان غيره . فإن قيل : ومن روى أنه أري النداء من فوق سبع سماوات ، قلنا : هو في مسند أبي بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البزار . حدثنا أبو بكر محمد بن طاهر الإشبيلي سماعاً وإجازةً عن أبي علي الغساني عن أبي عمر النمري بإسناده إلى البزار ، قال البزار : نا محمد بن عثمان بن مخلد ، نا أبي عن زياد بن المنذر ، عن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن جده ، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : لما أراد الله أن يعلم رسوله الأذان أتاه جبريل صلى الله عليه وسلم بدابة يقال لها البراق ، فذهب يركبها ، فاستصعبت ، فقال لها جبريل : اسكني فوالله ما ركبك عبد أكرم على الله من محمد صلى الله عليه وسلم قال : فركبها حتى انتهى إلى الحجاب الذي يلي الرحمن تبارك وتعالى قال : فبينما هو كذلك ، إذ خرج ملك من الحجاب ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يا جبريل من هذا ؟ فقال : والذي بعثك بالحق إني لأقرب الخلق مكاناً ، وإن هذا الملك ما رأيته منذ خلقت قبل ساعتي هذه ، فقال : الملك : الله أكبر ، الله أكبر ، قال : فقيل له من وراء الحجاب : صدق عبدي أنا أكبر أنا أكبر ، ثم قال الملك : أشهد أن لا إله إلا الله ، قال : فقيل له من وراء الحجاب : صدق عبدي أنا الله لا إله إلا أنا ، قال : فقال الملك : أشهد أن محمداً رسول الله . قال : فقيل من وراء الحجاب : صدق عبدي أنا أرسلت محمداً ، قال الملك : حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، ثم قال الملك : الله أكبر الله أكبر ، قال : فقيل من وراء الحجاب : صدق عبدي أنا أكبر أنا أكبر ، ثم قال : لا إله إلا الله ، قال : فقيل من وراء الحجاب : صدق عبدي أنا لا إله إلا أنا ، قال : ثم أخذ الملك بيد محمد صلى الله عليه وسلم فقدمه فأم أهل السماء ، فيهم آدم ونوح قال أبو جعفر محمد بن علي : يومئذ أكمل الله لمحمد صلى الله عليه وسلم الشرف على أهل السماوات والأرض .