عبد الرحمن السهيلي
28
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
امرأة المغيرة تعاتب زوجها ، وتذكر أنها جاءته كالناقة الباهلة التي لا صرار على أخلافها : أطعمتك مأدومي وأبثثتك مكتومي ، وجئتك باهلاً غير ذات صرار ، وفي الحديث : لا تورد الإبل بهلاً أو بهلاً ، فإن الشياطين ترضعها ، أي : لا أصرة عليها . وفيها قوله : براءٌ إلينا من معقّة خاذل . يقال : قوم براء بالضم وبراء بالفتح ، وبراء بالكسر ، فأما براء بالكسر ، فجمع بريء ، مثل كريم وكرام ، وأما براء فمصدر ، مثل سلام والهمزة فيه ، وفي الذي قبله لام الفعل ، ويقال : رجل براء ورجلان براء ، وإذا كسرتها أو ضممتها لم يجز إلا في الجمع ، وأما براء بضم الباء ، فالأصل فيه برآء مثل كرماء فاستثقلوا اجتماع الهمزتين ، فحذفوا الأولى ، وكان وزنه فعلاء ، فلما حذفوا التي هي لام الفعل صار وزنه فعاء ، وانصرف لأنه أشبه فعالاً ، والنسب إليه إذا سميت به : براوى ، والنسب إلى الآخرين برائي وبرائي ، وزعم بعضهم إلى أن براء بضم أوله من الجمع الذي جاء على فعال ، وهي ثمانية ألفاظ : فرير وفرار وعرن وعران ، ولم يصنع شيئاً ، وقال النحاس : براء بضم الباء . حديث الاستسقاء : وذكر حديث استسقاء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة ، وهو حديث مروي من طرق كثيرة ، وبألفاظ مختلفة . وقوله : حتى أتاه أهل الضواحي يشكون الغرق . الضواحي : جمع ضاحية ، وهي الأرض البراز التي ليس فيها ما يكن من المطر ، ولا منجاة من السيول ، وقيل : ضاحية كل بلد : خارجه . وقوله عليه السلام : اللهم حوالينا ، ولا علينا ، كقوله في حديث آخر : اللهم منابت الشجر ، وبطون الأودية ، وظهور الآكام ، فلم يقل : اللهم ارفعه عنا هو من حسن الأدب في الدعاء ؛ لأنها رحمة الله ، ونعمته المطلوبة منه ، فكيف يطلب منه رفع نعمته ، وكشف رحمته ، وإنما يسأل سبحانه كشف البلاء ، والمزيد من النعماء ، ففيه تعليم كيفية الاستسقاء . وقال : اللهم منابت الشجر ، ولم يقل : اصرفها إلى منابت الشجر ؛ لأن الرب تعالى أعلم بوجه اللطف ، وطريق المصلحة كان ذلك بمطر أو بندى أو طل ، أو كيف شاء ، وكذلك بطون الأودية ، والقدر الذي يحتاج إليه من مائها . فصل : فإن قيل : كيف قال أبو طالب : * وأبيض يستسقى الغمام بوجهه * ولم يره قط استسقى ، وإنما كانت استسقاءاته عليه السلام بالمدينة في سفر وحضر ، وفيها شوهد ما كان من سرعة إجابة الله له . فالجواب : أن أبا طالب قد شاهد من ذلك أيضاً في حياة عبد المطلب ما دله على ما قال ، روى أبو سلمان حمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابي البستي النيسابوري ، أن رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم قالت : تتابعت على قريش سنو جدب قد أقحلت الظلف ، وأرقت العظم ، فبينا أنا راقدة اللهم ، أو مهدمة ، ومعي صنوى إذ أنا بهاتف صيت يصرخ