عبد الرحمن السهيلي
29
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
بصوت صحل يقول : يا معشر قريش إن هذا النبي المبعوث منكم ، هذا إبان نجومه ، فحي هلا بالحيا والخصب ، ألا فانظروا منكم رجلاً طوالاً عظاماً أبيض فظاً ، أشم العرنين ، له فخر يكظم عليه . ألا فليخلص هو وولده ، وليدلف إليه من كل بطن رجل ، ألا فليشنوا من الماء ، وليمسوا من الطيب ، وليطوفوا بالبيت سبعاً ، ألا وفيهم الطيب الطاهر لذاته ، ألا فليدع الرجل ، وليؤمن القوم ، ألا فغثتم أبداً ما عشتم . قالت : فأصبحت مذعورة قد قف جلدي ، ووله عقلي ، فاقتصصت رؤياي ، فوالحرمة والحرم إن بقي أبطحي إلا قال : هذا شيبة الحمد ، وتتامت عنده قريش ، وانفض إليه الناس من كل بطن رجل ، فشنوا ومسوا واستلموا واطوفوا ، ثم ارتقوا أبا قبيس ، وطفق القوم يدفون حوله ، ما إن يدرك سعيهم مهلة ، حتى قروا بذروة الجبل ، واستكفوا جنابيه ، فقام عبد المطلب ، فاعتضد ابن ابنه محمداً صلى الله عليه وسلم فرفعه على عاتقه ، وهو يومئذ غلام قد أيفع ، أو قد كرب ، ثم قال : اللهم ساد الخلة ، وكاشف الكربة أنت عالم غير معلم ، ومسؤول غير مبخل ، وهذه عبداؤك ، وإماؤك بعذرات حرمك يشكون إليك سنتهم ، فاسمعن اللهم ، وأمطرن علينا غيثاً مريعاً مغدقاً ، فما راموا والبيت ، حتى انفجرت السماء بمائها ، وكظ الوادي بثجيجه . رواه أبو سليمان عن ابن الأعرابي . قال : حدثنا محمد بن علي بن البختري ، نا يعقوب بن محمد بن عيسى بن عبد الملك بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف ، نا عبد العزيز بن عمران ، عن ابن حويصة ، قال يحدث مخرمة بن نفيل عن أمه رقيقة بنت أبي صيفي . وذكر الحديث ، ورواه بإسناد آخر إلى رقيقة ، وفيه : ألا فانظروا منكم رجلاً وسيطاً عظاماً جساماً أوطف الأهداب ، وأن عبد المطلب قام ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أيفع أو كرب ، وذكر القصة . ابن الأسلت : وذكر ابن هشام كل من سماه أبو طالب في قصيدته ، أو أشار إليه ، وعرف بهم تعريفاً مستغنياً عن الزيد . وذكر قصيدة أبي قيس صيفي بن الأسلت ، واسم الأسلت : عامر ، والأسلت : هو الشديد الفطس يقال : سلت الله أنفه ، ومن السلت حديث بشر بن عاصم حين أراد عمر أن يستعمله ، فلما كتب له عهده أبي أن يقبله ، وقال : لا حاجة لي به . إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : إن الولاة يجاء بهم يوم القيامة ، فيقفون على جسر جهنم ، فمن كان مطاوعاً لله تناوله بيمينه حتى ينجيه ، ومن كان عاصياً لله انخرق به الجسر إلى واد من نار تلتهب التهاباً ، قال : فأرسل عمر إلى أبي ذر ، وإلى سلمان ، فقال لأبي ذر : أنت سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : نعم والله ، وبعد الوادي واد آخر من نار . قال : وسأل سلمان ، فكره أن يخبره بشيء ، فقال عمر : من يأخذها بما فيها ؟ فقال أبو ذر : من سلت الله أنفه وعينيه ، وأضرع خده إلى الأرض ذكره ابن أبي شيبة . قصيدة : وأول القصيدة : يا راكباً إمّا عرضت فبلّغن . البيت . المغلغلة : الداخلة إلى أقصى ما يراد بلوغه منها ، ومنه تغلغل في البلاد : إذا بالغ في الدخول فيها ، وأصله : تغلل ومغللة ، ولكن قلبوا إحدى اللامين غيناً ،