عبد الرحمن السهيلي

251

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

رجعوا إلى الشام وموسى قد مات ، فقالت بنو إسرائيل لهم : قد عصيتم وخالفتم ، فلا نؤويكم ، فقالوا : نرجع إلى البلاد التي غلبنا عليها فنكون بها ، فرجعوا إلى يثرب ، فاستوطنوها وتناسلوا بها إلى أن نزلت عليهم الأوس والخزرج بعد سيل العرم . هذا معنى ما ذكره أبو الفرج الأصبهاني في كتابه الكبير المعروف : بكتاب الأغاني ، وإن كان الزبير قد ذكره أيضاً في أخبار المدينة ، ولا أحسب هذا صحيحاً لبعد عمر موسى عليه السلام ، والذي قال غيره إن طائفة من بني إسرائيل لحقت بأرض الحجاز حين دوخ بخت نصر البابلي في بلادهم ، وجاس خلال ديارهم ، فحينئذ لحق من لحق منهم بالحجاز كقريظة والنضير ، وسكنوا خيبر والمدينة ، وهذا معنى ما ذكر الطبري والله أعلم . اسم يثرب : وأما يثرب فاسم رجل نزل بها أول من العماليق فعرفت باسمه ، وهو يثرب بن قاين بن عبيل بن مهلايل بن عوص بن عملاق بن لاوذ بن إرم ، وفي بعض هذه الأسماء اختلاف وبنو عبيل هم الذين سكنوا الجحفة فأجحفت بهم السيول وبذلك سميت الجحفة ، فلما احتلها رسول الله صلى الله عليه وسلم كره لها هذا الاسم أعني : يثرب لما فيه من لفظ التثريب ، وسماها طيبة والمدينة . فإن قلت : وكيف كره اسماً ذكرها الله في القرآن به ، وهو المقتدي بكتاب الله ، وأهل أن لا يعدل عن تسمية الله ؟ قلنا : إن الله سبحانه إنما ذكرها بهذا الاسم حاكياً عن المنافقين ؛ إذ قالت طائفة منهم : « يا أهْلَ يثْرِبَ لا مُقَامَ لكم » الأحزاب فنبهه بما حكي عنهم أنهم قد رغبوا عن اسم سماها الله به ورسوله ، وأبوا إلا ما كانوا عليه في جاهليتهم ، والله سبحانه قد سماها : المدينة ، فقال غير حاك عن أحد : « ما كان لأهل المدينة ومَنْ حَوْلَهُمْ من الأعراب أن يَتَخَلَّفوا عن رسول اللّه » التوبة ، وفي الخبر عن كعب الأحبار قال : إنا نجد في التوراة يقول الله للمدينة يا طابة يا طيبة يا مسكينة لا تقبلي الكنوز أرفع أجاجيرك على أجاجير القرى ، وقد روي هذا الحديث عن علي بن أبي طالب يرفعه ، وروي أيضاً أن لها في التوراة أحد عشر اسماً : المدينة وطابة وطيبة والمسكينة والجابرة والمحبة والمحبوبة والقاصمة والمجبورة والعذراء والمرحومة ، وروي في معنى قوله : « وقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وأَخْرِجْنِي مُخْرِج صِدْقٍ » الإسراء أنها المدينة ، وأن « مُخْرَجَ صِدْقِ » مكة و « سُلْطَاناً نَصِيراً » الأنصار . معنى على ربعاتهم : وفي الكتاب : بنو فلان على ربعاتهم . هكذا رواه أبو عبيد عن ابن بكير عن عقيل بن خالد من عقيل الأبلي عن الزهري ورواه عن عبد الله بن صالح بهذا الإسناد ، فقال : رباعتهم . الألف بعد الباء ، ثم قال أبو عبيد : يقال : فلان على رباعه قومه إذا كان نقيبهم ووافدهم . قال المؤلف : وكسر الراء فيه القياس على هذا المعنى ، لأنها ولاية ، وإن جعل الرباعة مصدراً فالقياس فتح الراء ، أي على شأنهم وعادتهم من أحكام الديات والدماء يتعاقلون معاقلهم الأولى : جمع : معقلة ومعقلة من العقل وهو الدية . شرح كلمات الكتاب : وقال في الكتاب : وألا يترك مفرح ، وفسره ابن هشام كما فسره أبو عبيد أنه الذي أثقله الدين ، وأنشد البيت الذي أنشده أبو عبيد : إذا أنت لم تبرح تؤدّي أمانةً * وتحمل أُخرى أفرحتك الودائع أي : أثقلتك يجوز أن يكون من أفعال السلب ، أي سلبتك الفرح ، كما قيل : أقسط الرجل إذا عدل ، أي : أزال القسط ، وهو الإعوجاج ، ويجوز أن تكون الفاء مبدلةً من باء ، فيكون من البرح وهو الشدة ،