عبد الرحمن السهيلي
201
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
ولم يقل : حيثما خرجتم ، وذلك أنه كان عليه السلام إمام المسلمين ، فكان يخرج إليهم إلى كل صلاة ليصلي بهم ، وكان ذلك واجباً عليه إذ كان الإمام المقتدى به فأفاد ذكر الخروج في خاصته في هذا المعنى ، ولم يكن حكم غيره هكذا ، يقتضي الخروج ، ولا سيما النساء ، ومن لا جماعة عليه ، وكرر الباري تعالى الأمر بالتوجه إلى البيت الحرام في ثلاث آيات ، لأن المنكرين لتحويل القبلة ، كانوا ثلاثة أصناف من الناس اليهود ، لأنهم لا يقولون بالنسخ في أصل مذهبهم ، وأهل الريب والنفاق اشتد إنكارهم له أنه كان أول نسخ نزل ، وكفار قريش قالوا : ندم محمد على فراق ديننا فسيرجع إليه كما رجع إليه قبلتنا ، وكانوا قبل ذلك يحتجون عليه ، فيقولون : يزعم محمد أنه يدعونا إلى ملة إبراهيم وإسماعيل ، وقد فارق قبلة إبراهيم وإسماعيل ، وآثر عليها قبلة اليهود ، فقال الله له حين أمره بالصلاة إلى الكعبة « لَئِلاَّ يكونَ للناس عليكُم حجةٌ إلا الذين ظلموا منهم » البقرة على الاستثناء المنقطع ، أي : لكن الذين ظلموا منهم لا يرجعون ولا يهتدون وقال سبحانه : « الحَقُّ من ربّك فلا تكونَنَّ من المُمْتَرين » البقرة أي : من الذين شكوا وامتروا ، ومعنى : الحق من ربك أي الذي أمرتك به من التوجه إلى البيت الحرام ، هو الحق الذي كان عليه الأنبياء قبلك فلا تمتر في ذلك وقال : « وإن الذين أُوتوا الكتابِ لَيَعْلَمُون أنه الحق » البقرة وقال : « وإنَّ فريقاً منهم لَيَكْتُمُون الحَقَ وهم يَعْلَمُون » البقرة أي يكتمون ما علموا من أن الكعبة هي قبلة الأنبياء ، وروى أبو داود السنجري في كتاب الناسخ والمنسوخ له وهو في روايتنا عنه بسند رفيع حدثنا الإمام الحافظ أبو بكر بن العربي قال : أنا أبو الحسن علي بن الحسين بن علي بن أيوب البزار ، قال : أنا أبو علي بن شاذان قال : أنا أبو بكر الفقيه النجار أحمد بن سليمان عنه ، قال : نا أحمد بن صالح ، قال : نا عنبسة بن يونس عن ابن شهاب قال : كان سليمان بن عبد الملك لا يعظم إيلياء كما يعظمها أهل بيته ، قال : فسرت معه ، وهو ولي عهد ، قال : ومعه خالد بن يزيد بن معاوية ، قال سليمان : وهو جالس فيه : والله إن في هذه القبلة التي صلى إليها المسلمون والنصارى لعجباً ، قال خالد بن يزيد : أما والله إني لأقرأ الكتاب الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم وأقرأ التوراة ، فلم يجدها اليهود في الكتاب الذي أنزله الله عليهم ، ولكن تابوت السكينة كان على الصخرة ، فلما غضب الله تعالى على بني إسرائيل رفعه ، فكانت صلاتهم إلى الصخرة عن مشاورة منهم ، وروى أبو داود أيضاً أن يهودياً خاصم أبا العالية في القبلة ، فقال أبو العالية : إن موسى عليه السلام كان يصلي عند الصخرة ، ويستقبل البيت الحرام ، فكانت الكعبة قبلةً ، وكانت الصخرة بين يديه ، وقال اليهودي : بيني وبينك مسجد صالح النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال أبو العالية : فإني صليت في مسجد صالح وقبلته الكعبة ، وأخبر أبو العالية أنه رأى مسجد ذي القرنين وقبلته الكعبة ، وروي أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم ، كان يقول لجبريل : وددت أن الله حولني عن قبلة اليهود ، فيقول له جبريل : إنما أنا عبد مأمور ، وروى غيره أنه كان يتبعه بصره إذا عرج إلى السماء حرصاً على أن يأمره بالتوجه إلى الكعبة ، فأنزل الله تعالى : « قد نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ في السماء » . نسيبة وأسماء في بيعة العقبة الثانية : وذكر بيعة العقبة ، وذكر عدة أصحاب بيعة العقبة ، وأنهم كانوا ثلاثة وسبعين رجلاً وامرأتين ، وهما : أم عمارة وهي نسيبة بنت كعب امرأة زيد بن عاصم شهدت بيعة العقبة وبيعة الرضوان ، وشهدت يوم اليمامة ، وباشرت القتال بنفسها ، وشاركت ابنها عبد الله في قتل مسيلمة ، فقطعت يدها ، وجرحت اثنا عشر جرحاً ، ثم عاشت بعد ذلك دهراً ، وكان الناس يأتونها بمرضاهم ، لتستشفي لهم ، فتمسح بيدها الشلاء على العليل ، وتدعو له ، فقل ما مسحت بيدها ذا عاهة إلا برئ .