عبد الرحمن السهيلي
200
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
الطهارة الصغرى داخلة في الكبرى ، وتطهره من تنجيس الشرك بإيمانه هو أيضاً بالإضافة إلى الطهر من الجنابة ، الطهارة الكبرى ، فينبغي أن تكون مغنية عنها ، كما كانت الطهارة من الجنابة مغنيةً عن الطهارة من الحدث ، إذ ليست واحدة من هذه الطهارات مزيلةً لعين نجاسة فيها ، فينبغي بعد هذا أن أمره بالاغتسال تعبد ، والحكم بأنه غير فرض تحكم والله أعلم ، غير أن الترمذي خرج حديث قيس بن عاصم حين أسلم فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يغتسل . قال الترمذي : وعلى هذا العمل عند أهل العلم يستحبون للكافر إذا أسلم أن يغتسل ، ويغسل ثيابه ، فقال : يستحبون ، وجعلها مسألة استحباب . شرح شعر ابن الأسلت : فصل : وذكر شعر أبي قيس بن الأسلت ، وفيه قوله : ولولا ربّنا كنّا يهوداً * وما دين اليهود بذي شكول إراد جمع : شكل ، وشكل الشيء بالفتح هو مثله ، والشكل بالكسر الدل والحسن ، فكأنه أراد أن دين اليهود بدع ، فليس له شكول أي : ليس له نظير في الحقائق ، ولا مثيل يعضده من الأمر المعروف المقبول ، وقد قال الطائي : وقلت : أخي . قالوا : أخٌ من قرابةٍ * فقلت لهم : إن الشّكول أقارب قريبي في رأيي وديني ومذهبي * وإن باعدتنا في الخطوب المناسب وقال فيه : مع الرهبان في جبل الجليل . الجليل بالجيم الثمام ، وهذا الجبل من جبال الشام معروف بهذا الاسم . البراء بن معرور ، وصلاته إلى القبلة ذكر حديث كعب بن مالك حين حج في نفر من قومه مع البراء بن معرور ، فكانوا يصلون إلى بيت المقدس ، وكان البراء يصلي إلى الكعبة الحديث إلى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : قد كنت على قبلة لو صبرت عليها فقه قوله : لو صبرت عليها : أنه لم يأمره بإعادة ما قد صلى ؛ لأنه كان متأولاً . قبلة الرسول صلى الله عليه وسلم : وفي الحديث : دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان يصلي بمكة إلى بيت المقدس ، وهو قول ابن عباس ، وقالت طائفة : ما صلى إلى بيت المقدس إلا مذ قدم المدينة سبعة عشر شهراً أو ستة عشر شهراً ، فعلى هذا يكون في القبلة نسخان نسخ سنة بسنة ، ونسخ سنة بقرآن ، وقد بين حديث ابن عباس منشأ الخلاف في هذه المسألة ، فروى عنه من طرق صحاح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كان إذا صلى بمكة استقبل بيت المقدس ، وجعل الكعبة بينه وبين بيت المقدس ، فلما كان عليه السلام يتحرى القبلتين جميعاً لم يبن توجهه إلى بيت المقدس للناس ، حتى خرج من مكة والله أعلم . قال الله تعالى له في الآية الناسخة : « ومِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَولِّ وَجهَك شَطْرَ المسْجِدِ الحَرَامَ » البقرة أي : من أي جهة جئت إلى الصلاة ، وخرجت إليها فاستقبل الكعبة كنت مستدبراً لبيت المقدس ، أو لم تكن ، لأنه كان بمكة يتحرى في استقباله بيت المقدس أن تكون الكعبة بين يديه ، وتدبر قوله تعالى : « ومِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وجهَك » وقال لأمته : « وحيْثُ مَا كُنتُم فَوَلُّوا وجوهَكم شَطْرَه »