عبد الرحمن السهيلي

195

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

ابن التيهان ، واسم التيهان أيضاً مالك بن عتيك بن عمرو بن عبد الأعلم بن عامر بن زعون بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري حليف بني عبد الأشهل كان أحد النقباء ليلة العقبة ، ثم شهد بدراً ، واختلف في وقت وفاته ، فأصح ما قيل فيه إنه شهد مع علي صفين ، وقتل فيها رحمه الله ، وأحسب ابن إسحاق وابن هشام تركا نسبه على جلالته في الأنصار وشهوده هذه المشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم لاختلاف فيه ، فقد وجدت في شعر عبد الله بن رواحة حين أضاف أبو الهيثم رسول الله صلى الله عليه وسلم في منزله ومعه أبو بكر وعمر ، فذبح لهم عناقاً وأتاهم بقنو من رطب الحديث بطوله ، فقال ابن رواحة في ذلك : فلم أر كالإسلام عزّاً لأهله * ولا مثل أضياف لأراشيّ معشرا فجعل إرشياً كما ترى ، والأراشي منسوب إلى إراشة في خزاعة ، أو إلى إراش بن لحيان بن الغوث فالله أعلم : أهو أنصاري بالحلف أم بالنسب المذكور ، قبل هذا ، ونقلته من قول أبي عمر في الاستيعاب ، وقد قيل : إنه بلوي من بني إراشة بن فاران بن عمرو بن بلي ، والهيثم في اللغة : فرخ النسر ، أو العقاب ، والهيثم أيضاً ضرب من العشب فيما ذكر أبو حنيفة ، وبه سمي الرجل هيثماً أو بالمعنى الأول وأنشد : رعت بقران الحزن روضاً منوّراً * عميماً من الظلاع والهيثم الجعد ذكر بيعتهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء ألا يسرقوا ، ولا يزنوا إلى آخر الآية ، وقيل في قوله عز وجل خبراً عن بيعة النساء : « ولاَ يأْتِين بِبُهْتَانٍ » أنه الولد تنسبه إلى بعلها ، وليس منه ، وقيل : هو الاستمتاع بالمرأة فيما دون الوطء كالقبلة والجسة ونحوها ، والأول يشبه أن يبايع عليه الرجال ، وكذلك قيل في قوله تعالى : « ولاَ يعْصِيَنَك في مَعْرُوفٍ » أنه النوح ، وهذا أيضاً وليس من شأن الرجال ، فدل على ضعف قول من خصه بالنوح ، وخص البهتان بإلحاق الولد بالرجل ، وليس منه ، وقيل : يفترينه بين أيديهن يعني : الكذب وعيب الناس بما ليس فيهم ، وأرجلهن يعني : المشي في معصية ، ولا يعصينك في معروف ، أي : في خير تأمرهن به ، والمعروف : اسم جامع لمكارم الأخلاق ، وما عرف حسنه ولم تنكره القلوب ، وهذا معنى يعم الرجال والنساء ، وذكر ابن إسحاق في رواية يونس فيما أخذه عليه السلام عليهن : أن قال : ولا تغششن أزواجكن ، قالت إحداهن : وما غش أزواجنا فقال : أن تأخذي من ماله فتحابي به غيره . هجرة مصعب بن عمير : فصل : وذكر هجرة مصعب بن عمير وهو المقرئ ، وهو أول من سمي بهذا ، أعني المقرئ يكنى أبا عبد الله ، كان قبل إسلامه من أنعم قريش عيشاً وأعطرهم ، وكانت أمه شديدة الكلف به ، وكان يبيت وقعب الحيس عند رأسه ، يستيقظ فيأكل ، فلما أسلم أصابه من الشدة ما غير لونه وأذهب لحمه ، ونهكت جسمه حتى كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينظر إليه ، وعليه فروة قد رفعها ، فيبكي لما كان يعرف من نعمته ، وحلفت أمه حين أسلم وهاجر ألا تأكل ولا تشرب ولا تستظل بظل حتى يرجع إليها ، فكانت تقف للشمس حتى تسقط مغشياً عليها ، وكان بنوها يحشون فاها بشجار ، وهو عود فيصبون فيه الحساء لئلا تموت ، وسنذكر اسمها ونسبها عند ذكره في البدريين إن شاء الله تعالى ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكره ، فيقول : ما رأيت بمكة أحسن لمةً ، ولا أرق حلة ولا أنعم نعمةً من مصعب بن عمير ذكره الواقدي . وذكر أيضاً بإسناد له ، قال : كان مصعب بن عمير فتى مكة شباباً وجمالاً وسناً وكان أبواه يحبانه ، وكانت أمه تكسوه أحسن ما يكون من الثياب ، وكان أعطر أهل مكة يلبس الحضرمي من النعال .