عبد الرحمن السهيلي

179

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

وقوله سبحانه : « كُلُّ مَنْ عليها فانٍ ويبقى وَجْهُ ربك ذو الجَلالَ والإكرام » الرحمن لما كانت السماوات والأرض ، قد أظهرت من قدرته وسلطانه ، ما أظهرت أخبر تعالى أن فناءها لا يغير ما علم من سلطانه وظهر إلى البصائر من جلاله ، فقد كان ذلك الجلال قبل أن يخلقها ، وهو باق بعد فنائها كما كان في القدم ، فهو ذو الجلال والإكرام ، قال الحسن : معناه : تجلل بالبهاء وأكرم من شاء بالنظر إلى وجهه أما الأشعري فذهب في معنى الوجه إلى ما ذهب فيه من معنى العين واليد ، وأنها صفات لله تعالى لم تعلم من جهة العقول ، ولا من جهة الشرع المنقول ، وهذه عجمة أيضاً فإنه نزل بلسان عربي مبين ، فقد فهمته العرب لما نزل بلسانها ، وليس في لغتها أن الوجه صفة ولا إشكال على المؤمن منهم ، ولا على الكافر في معنى هذه الآي التي احتيج آخر الزمان إلى الكلام فيه مع العجمان ، لأن المؤمن لم يخش على عقيدته شكاً ولا تشبيهاً ، فلم يستفسر أحد منهم رسول الله عليه السلام ، ولا سأله عن هذه الآية التي هي اليوم مشكلة عند عوام الناس ، ولا الكافر في ذلك الزمان لم يتعلق بها في معرض المناقضة والمجادلة ، كما فعلوا في قوله تعالى : « إنكم وما تَعْبُدُون من دُون اللّه حَصَبُ جَهَنَّم » الأنبياء ولا قال أحد منهم : يزعم محمد أن الله ما يشبهه شيء من خلقه ، ثم يثبت له وجهاً ويدين إلى غير ذلك فدل على أنهم لم يروا في الآية إشكالاً ، وتلقوا معانيها على غير التشبيه ، وعرفوا من سمانة الكلام ، وملاحة الاستعارة أنه معجز ، فلم يتعاطوا له معارضة ، ولا توهموا فيه مناقضة ، وقد أملينا في معنى اليدين والعين مسألةً بديعة جداً ، فلتنظر هنالك . وأما النور فعبارة عن الظهور وانكشاف الحقائق الإلهية ، وبه أشرقت الظلمات ، أي أشرقت محالها وهي القلوب التي كانت فيها ظلمات الجهالة والشكوك ، فاستنارت القلوب بنور الله ، وقد قال المفسرون في قوله تعالى : « مَثَلُ نورِه » أي : مثل نوره في قلب في المؤمن كمشكاة ، فهو إذاً نور الإيمان والمعرفة : المجلي لكل ظلمة وشك ، قال كعب : المشكاة مثل لفهمه ، والمصباح مثل للسانه ، والزجاجة : مثل لصدره ، أو لقلبه أي : قلب محمد صلى الله عليه وسلم ، وقال : أعوذ بنور وجهك ، ولو قال : بنورك لحسن ، ولكن توسل إليه بما أودع قلبه من نوره ، فتوسل إلى نعمته بنعمته وإلى فضله ورحمته بفضله ورحمته ، وقد تكون الظلمات ها هنا أيضاً الظلمات المحسوسة وإشراقها جلالتها على خالقها ، وكذلك الأنوار المحسوسة ، الكل دال عليه فهو نور النور ، أي : مظهره منور الظلمات ، أي جاعلها نوراً في حكم الدلالة عليه سبحانه وتعالى . عداس غلام ابني ربيعة : فصل : وذكر خبر عداس غلام عتبة وشبية ابني ربيعة حين جاء بالقطف من عندهما إلى آخر القصة ، وفيه قبول هدية المشرك ، وأن لا يتورع عن طعامه ، وسيأتي استقصاء ذلك إن شاء الله تعالى ، وزاد التيمي فيها أن عداساً حين سمعه يذكر يونس بن متى قال : والله لقد خرجت منها يعني : نينوى ، وما فيها عشرة يعرفون : ما متى ، فمن أين عرفت أنت متى ، وأنت أمي ، وفي أمة أمية ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هو أخي ، كان نبياً ، وأنا نبي ، وذكروا أيضاً أن عداساً لما أراد سيداه الخروج إلى بدر أمراه بالخروج معهما فقال لهما : أقتال ذلك الرجل الذي رأيته بحائطكما تريدان ، والله ما تقول له الجبال ، فقالا له : ويحك يا عداس : قد سحرك بلسانه ، وعندما لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم من أهل الطائف ، ما لقي ، ودعا بالدعاء المتقدم ، نزل عليه جبريل ومعه ملك الجبال كما روى البخاري عن عبد الله بن يوسف ، عن يونس ، عن ابن شهاب قال : حدثني عروة أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدثته أنها قالت للنبي عليه السلام : هل أتى عليك يوم