عبد الرحمن السهيلي
180
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
كان أشد عليك من أحد ؟ فقال : لقد لقيت من قومك ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال ، فلم يجبني إلى ما أردت ، فانطلقت على وجهي ، وأنا مهموم ، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب ، فرفعت رأسي ، فإذا أناب سحابة قد أظلتني ، فنظرت فإذا فيها جبريل ، فناداني فقال : إن الله قد سمع قول قومك لك ، وما ردوا عليك ، وقد بعث إليك ملك الجبال ، لتأمره بما شئت فيهم ، فناداني ملك الجبال ، فسلم علي فقال : يا محمد ذلك لك ، إن شئت أطبق عليهم الأخشبين ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ، ولا يشرك به شيئاً . هكذا قال في الحديث : ابن عبد كلال ، وهو خلاف ما نسبه ابن إسحاق . وفد جن نصيبين : وذكر حديث وفد جن نصيبين ، وما أنزل الله فيهم ، وقد أملينا أول المبعثين من هذا الكتاب طرفاً من أخبارهم وبينا هنالك أسماءهم ، ونصيبين مدينة بالشام أثنى عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم . روي أنه قال : رفعت إلي نصيبين حتى رأيتها فدعوت الله أن يعذب نهرها ، وينصر شجرها ، ويطيب ثمرها أو قال : ويكثر ثمرها ، وتقدم في أسمائهم ما ذكره ، ابن دريد . قال : هم منشي وماشي وشاصر وماصر والأحقب ، ولم يزد على تسمية هؤلاء ، وقد ذكرنا تمام أسمائهم فيما تقدم ، وفي الصحيح أن الذي أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجن ليلة الجن شجرة ، وأنهم سألوه الزاد ، فقال : كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في يد أحدهم . أوفر ما يكون لحماً ، وكل بعر علف لدوابهم . زاد ابن سلام في تفسيره أن البعر يعود خضراً لدوابهم ، ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستنجى بالعظم والروث ، وقال : إنه زاد إخوانكم من الجن ، ولفظ الحديث في كتاب مسلم كما قدمناه : كل عظم ذكر اسم الله عليه ، ولفظه في كتاب أبي داود : كل عظم لم يذكر اسم الله عليه ، وأكثر الأحاديث تدل على معنى رواية أبي داود ، وقال بعض العلماء رواية مسلم في الجن المؤمنين ، والرواية الأخرى في حق الشياطين منهم ، وهذا قول صحيح تعضده الأحاديث إلا أنا نكره الإطالة ، وفي هذا رد على من زعم أن الجن لا يأكل ولا يشرب ، وتأولوا قوله عليه السلام : إن الشيطان يأكل بشماله ، ويشرب بشماله على غير ظاهره ، وهم ثلاثة أصناف كما جاء في حديث آخر : صنف على صور الحيات ، وصنف على صور الكلاب سود وصنف ريح طيارة أو قال : هفافة ذوو أجنحة ، وزاد بعض الرواة في الحديث : وصنف يخلون ويظعنون ، وهم السعالى ، ولعل هذا الصنف الطيار هو الذي لا يأكل ، ولا يشرب إن صح القول المتقدم والله أعلم . وروينا في حديث سمعته يقرأ على الشيخ الحافظ أبي بكر بن العربي بسنده إلى جابر بن عبد الله ، قال : بينا أنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نمشي إذ جاءت حية ، فقامت إلى جنبه ، وأدنت فاها من أذنه ، وكانت تناجيه ، أو نحو هذا ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : نعم فانصرفت ، قال جابر : فسألته ، فأخبرني أنه رجل من الجن ، وأنه قال له : مر أمتك لا يستنجوا بالروث ، ولا بالرمة ، فإن الله جعل لنا في ذلك رزقاً . عرض نفسه على القبائل : فصل : وذكر عرضه نفسه صلى الله عليه وسلم على القبائل ، ليؤمنوا به ، ولينصروه قبيلةً قبيلةً ، فذكر بني حنيفة ، واسم حنيفة : أثال بن لجيم ، ولجيم : تصغير اللجم ، وهي دويبة ، قال قطرب ، وأنشدك لها ذنبٌ مثل ذيل العرو * س إلى سبّةٍ مثل جحرٍ اللّجم ابن صعب بن علي بن بكر بن وائل ، وسمى حنيفة لحنف كان في رجليه ، وقيل : بل حنيفة أمهم ، وهي بنت