عبد الرحمن السهيلي

178

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع حبل الحبلة ، إنه بيع العنب قبل أن يطيب ، كما جاء في الحديث الآخر من نهيه عن بيع التمر قبل أن يبدو صلاحه ، وهو قول غريب لم يذهب إليه أحد في تأويل الحديث ، وقد قال عمر بن الخطاب في الأرضين التي افتتحت في زمانه وقد قيل له : قسمها على الذين افتتحوها فقال : والله لأدعنها حتى يجاهد بها حبل الحبلة ، يريد : أولادها في البطون . ذكره أبو عبيد في كتاب الأموال ، والقول الذي ذكره أبو الحسن في حبل الحبلة وقع في كتاب الألفاظ ليعقوب وإنما أشكل عليه وعلى غيره دخول الهاء في الحبلة ، حتى قالوا فيه أقوالاً كلها هباء ، فمنهم من قال : إنما قال الحبلة لأنها بهيمة أو جنينة ، ومنهم من قال : دخلت للجماعة ، ومنهم من قال : للمبالغة ، وهذا كله ينعكس عليهم بقوله : حبل الحبلة ، فإنه لم تدخل التاء إلا في أحد اللفظين دون الثاني ، وتبطل أيضاً على من قال أراد : معنى البهيمة بحديث عمر المتقدم ، وإنما النكتة في ذلك أن الحبل ما دام حبلاً لا يدرى : أذكر هو أم أنثى ، لم يسم حبلاً ، فإذا كانت أنثى ، وبلغت حد الحمل ، فحبلت فذاك الحبل هو الذي نهى عن بيعه ، والأول قد علمت أنوثته بعد الولادة ، فعبر عنه بالحبلة ، وصار معنى الكلام أنه نهى عن بيع حبل الجنينة إلي كانت حبلاً لا يعرف ما هي ، ثم عرف بعد الوضع ، وكذلك في الآدميين ، فإذاً لا يقال لها : حبلة إلا بعد المعرفة بأنها أنثى ، وعند ذكر الحبل الثاني لأن هذه الأنثى قبل أن تحبل ، وهي صغيرة : رخلى ، وتسمى أيضاً حائلاً وأشباه ذلك ، وقد زال عنها اسم الحبل فإذا حبلت ، وذكر حبلها وازدوج ذكره مع الحالة الأولى التي كانت فيها حبلاً فرق بين اللفظين بتاء التأنيث ، وخص اللفظ الذي هو عبارة عن الأنثى بالتاء دون اللفظ الذي لا يدرى ما هو : أذكر أم أنثى ، وقد كان المعنى قريباً والمأخذ سهلاً لا يحتاج إلى هذه الإطالة لولا ما قدمناه من تخليطهم في تأويل هذا الكلام الفصيح البليغ الذي لا يقدر قدره في البلاغة إلا عالم بجوهر الكلام . وجه الله : فصل : وذكر دعاءه عليه السلام عند الشدة ، وقوله : اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي وقلة حيلتي إلى آخر الدعاء ، وفيه : أعوذ بنور وجهك الكريم الذي أشرقت به الظلمات ، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ، ويسأل عن النور هنا ، ومعنى الوجه ، وإشراق الظلمات ، أما الوجه إذا جاء ذكره في الكتاب والسنة ، فهو ينقسم في الذكر إلى موطنين : موطن تقرب واسترضاء بعمل ، كقوله تعالى : « يُريدون وَجْهَه » وكقوله : « إلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْه رَبِّه الأعلى » فالمطلوب في هذا الموطن : رضاه وقبوله للعمل ، وإقباله على العبد العامل ، وأصله أن من رضي عنك ، أقبل عليك ، ومن غضب عليك أعرض عنك ، ولم يرك وجهه ، فأفاد قوله : بوجهك ههنا معنى الرضى والقبول ، والإقبال ، وليس بصلة في الكلام كما قال أبو عبيدة لأن قوله ذلك هراء من القول ، ومعنى الصلة عنده : أنها كلمة لا تفيد إلا تأكيداً للكلام ، وهذا قول من غلظ طبعه وبعد بالعجمة عن فهم البلاغة قلبه وكذلك قال هو ومن قلده في قوله تعالى : « ويَبْقى وَجْهُ رَبِّك » الرحمن أي يبقى ربك ، وكل شيء هالك إلا وجهه ، أي : إلا إياه ، فعلى هذا قد خلا ذكر ، الوجه من حكمة ، وكيف تخلو كلمة منه من الحكمة ، وهو الكتاب الحكيم ، ولكن هذا هو الموطن الثاني من مواطن ذكر الوجه ، والمعنى به ما ظهر إلى القلوب والبصائر من أوصاف جلاله ومجده ، والوجه لغةً ما ظهر من الشيء معقولاً كان أو محسوساً ، تقول : هذا وجه المسألة ، ووجه الحديث ، أي : الظاهر إلى رأيك منه ، وكذلك الثوب ما ظهر إلى بصرك منه ، والبصائر لا تحيط بأوصاف جلاله ، وما يظهر لها من ذلك أقل مما يغيب عنها ، وهو الظاهر والباطن تعالى وجل وكذلك في الجنة نظر أهلها إلى وجهه سبحانه إنما هو نظر إلى ما يرون من ظاهر جلاله إليهم عند تجليه ، ورفع الحجاب دونهم ، وما لا يدركوه من ذلك الجلال أكثر مما أدركوا .