عبد الرحمن السهيلي

159

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

فرض الصلاة في الحضرة المقدسة : فصل : وأما فرض الصلاة عليه هنالك ، ففيه التنبيه على فضلها ، حيث لم تفرض إلا في الحضرة المقدسة ؛ ولذلك كانت الطهارة من شأنها ، ومن شرائط أدائها ، والتنبيه على أنها مناجاة الرب ، وأنا الرب تعالى مقبل بوجهه على المصلي يناجيه يقول : حمدني عبدي ، أثنى علي عبدي إلى آخر السورة ، وهذا مشاكل لفرضها عليه في السماء السابعة حيث سمع كلام الرب ، وناجاه ، ولم يعرج به حتى طهر ظاهره وباطنه بماء زمزم كما يتطهر المصلي للصلاة ، وأخرج عن الدنيا بجسمه ، كما يخرج المصلي عن الدنيا بقلبه ، ويحرم عليه كل شئ إلا مناجاة ربه وتوجهه إلى قبلته في ذلك الحين ، وهو بيت المقدس ، ورفع إلى السماء كما يرفع المصلي يديه إلى جهة السماء إشارة إلى القبلة العليا فهي البيت المعمور ، وإلى جهة عرش من يناجيه ويصلي له سبحانه . فرض الصلوات خمسين : فصل : وأما فرض الصلوات خمسين ثم حط منها عشراً بعد عشر إلى خمس صلوات . وقد روي أيضاً أنها حطت خمساً بعد خمس ، وقد يمكن الجمع بين الروايتين لدخول الخمس في العشر ، فقد تكلم في هذا النقص من الفريضة : أهو نسخ أم لا ؟ على قولين ، فقال قوم : هو من باب نسخ العبادة قبل العمل بها ، وأنكر أبو جعفر النحاس هذا القول من وجهين ، أحدهما البناء على أصله ومذهبه في أن العبادة لا يجوز نسخها قبل العمل بها ، لأن ذلك عنده من البداء ، والبداء محال على الله سبحانه . الثاني : أن العبادة إن جاز نسخها قبل العمل بها عند من يرى ذلك ، فليس يجوز عند أحد نسخها قبل هبوطها إلى الأرض ووصولها إلى المخاطبين : قال : وإنما ادعى النسخ في هذه الصلوات الموضوعة عن محمد وأمته القاشاني ، ليصحح بذلك مذهبه في أن البيان لا يتأخر ، ثم قال أبو جعفر : إنما هي شفاعة شفعها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته ومراجعة راجعها ربه ، ليخفف عن أمته ، ولا يسمى مثل هذا نسخاً . قال المؤلف : أما مذهبه في أن العبادة لا تنسخ قبل العمل بها ، وأن ذلك بداء فليس بصحيح ، لأن حقيقة البداء أن يبدو للآمر رأي يتبين له الصواب فيه بعد أن لم يكن تبينه ، وهذا محال في حق من يعلم الأشياء بعلم قديم ، وليس النسخ من هذا في شيء إنما النسخ تبديل حكم بحكم ، والكل في سابق علمه ومقتضى حكمته ، كنسخه المرض بالصحة ، والصحة بالمرض ، ونحو ذلك ، وأيضاً بأن العبد المأمور يجب عليه عند توجه الأمر إليه ثلاث عبادات : الفعل الذي أمر به ، والعزم على الامتثال عند سماع الأمر ، واعتقاد الوجوب إن كان واجباً فإن نسخ الحكم قبل الفعل ، فقد حصلت فائدتان : العزم واعتقاد الوجوب . وعلم الله ذلك منه ، فصح امتحانه له واختباره إياه ، وأوقع الجزاء على حسب ما علم من نيته ، وإنما الذي لا يجوز نسخ الأمر قبل نزوله ، وقبل علم المخاطب به ، والذي ذكر النحاس من نسخ العبادة بعد العمل بها ، فليس هو حقيقة النسخ ، لأن العبادة المأمور بها قد مضت ، وإنما جاء الخطاب بالنهي عن مثلها لا عنها ، وقولنا في الخمس والأربعين صلاةً الموضوعة عن محمد وأمته أحد وجهين ، إما أن يكون نسخ ما وجب على النبي صلى الله عليه وسلم من أدائها ورفع عنه استمرار العزم واعتقاد الوجوب ، وهذا قد قدمنا أنه نسخ على الحقيقة ، ونسخ عنه ما وجب عليه من التبليغ ، فقد كان في كل مرة عازماً على تبليغ ما أمر به ، وقول أبي جعفر : إنما كان شافعاً ومراجعاً ينفي النسخ فإن النسخ قد يكون عن سبب معلوم ، فشفاعته عليه السلام لأمته كانت سبباً للنسخ لا مبطلةً لحقيقته ، ولكن المنسوخ ما ذكرنا من حكم التبليغ الواجب عليه قبل النسخ وحكم الصلوات الخمس في خاصته ، وأما أمته فلم ينسخ عنهم حكم إذ لا يتصور نسخ الحكم قبل بلوغه إلى المأمور ، كما قدمنا ، وهذا كله أحد الوجهين في الحديث .