عبد الرحمن السهيلي

160

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

والوجه الثاني أن يكون هذا خبراً لا تعبداً ، وإذا كان خبراً لم يدخله النسخ ، ومعنى الخبر أنه عليه السلام أخبره ربه أن على أمته خمسين صلاة ، ومعناه : أنها خمسون في اللوح المحفوظ ، وكذلك قال في آخر الحديث : هي خمس وهي خمسون ، والحسنة بعشر أمثالها فتأوله رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنها خمسون بالفعل ، فلم يزل يراجع ربه حتى بين له أنها خمسون في الثواب لا بالعمل . فإن قيل : فما معنى نفضها عشراً بعد عشر ؟ قلنا : ليس كل الخلق يحضر قلبه في الصلاة من أولها إلى آخرها ، وقد جاء في الحديث أنه يكتب له منها ما حضر قلبه فيها ، وأن العبد يصلي الصلاة ، فيكتب له نصفها ربعها حتى انتهى إلى عشرها ، ووقف ، فهي خمس في حق من كتب له عشرها ، وعشر في حق من كتب له أكثر من ذلك ، وخمسون في حق من كملت صلاته وأداها بما يلزمه من تمام خشوعها وكمال سجودها وركوعها . من أوصاف الملائكة : فصل : وذكر أنه عليه السلام لم يلقه ملك من الملائكة إلا ضاحكاً مستبشراً إلا مالكاً خازن جهنم ، وذلك أنه لم يضحك لأحد قبله ، ولا هو ضاحك لأحد ، ومصداق هذا في كتاب الله تعالى ، قال الله سبحانه : « عليها ملائكَةٌ غِلاَظٌ شِدَادٌ » التحريم وهم موكلون بغضب الله تعالى فالغضب لا يزايلهم أبداً ، وفي هذا الحديث معارضة للحديث الذي في صفة ميكائيل أنه ما ضحك منذ خلق الله جهنم ، وكذلك يعارضه ما خرج الدارقطني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تبسم في الصلاة ، فلما انصرف سئل عن ذلك ، فقال : رأيت ميكائيل راجعاً من طلب القوم ، على جناحيه الغبار فضحك إلي ، فتبسمت إليه وإذا صح الحديثان ، فوجه الجمع بينهما : أن يكون لم يضحك منذ خلق الله النار إلى هذه المدة التي ضحك فيها لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيكون الحديث عاماً يراد به الخصوص ، أو يكون الحديث الأول حدث به رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل هذا الحديث الأخير ثم حدث بعد بما حدث به من ضحكه إليه ، والله أعلم ولم ير مالكاً على الصورة التي يراه عليها المعذبون في الآخرة ، ولو رآه على تلك الصورة ما استطاع أن ينظر إليه . جرأة أكلة الربا : وذكر أكلة الربا وأنهم بسبيل آل فرعون يمرون عليهم كالإبل المهيومة ، وهي العطاش ، والهيام : شدة العطش ، وكان قياس هذا الوصف ألا يقال فيه مهيومة ، كما لا يقال معطوشة ، إنما يقال هائم وهيمان ، وقد يقال : هيوم ويجمع على هيم ، ووزنه فعل بالضم لكن كسر من أجل الياء كما قال تعالى : « فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيم » الواقعة ولكن جاء في الحديث مهيومة ، كأنه شيء فعل بها كالمحمومة والمجنونة وكالمنهوم ، وهو الذي لا يشبع وكان قياس الياء أن تعتل ، فيقال : مهيمة ، كما يقال : مبيعة في معنى مبيوعة ، ولكن صحت الياء ، لأنها في معنى الهيومة كما صحت الواو في عور لأنه في معنى أعور ، كما صحت في اجتوروا لأنه في معنى : تجاوروا ، وإنما رآهم منتفخةً بطونهم ؛ لأن العقوبة مشاكلة للذنب ، فآكل الربا يربو بطنه ، كما أراد أن يربو ماله بأكل ما حرم عليه ، فمحقت البركة من ماله ، وجعلت نفخاً في بطنه ، حتى يقوم كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ، وإنما جعلوا بطريق آل فرعون يمرون عليهم غدواً وعشياً لأن آل فرعون هم أشد الناس عذاباً يوم القيامة ، كما قال سبحانه : « أدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أشَدَّ الْعَذَابِ » غافر . فخصوا بسبيلهم ، ليعلم أن الذين هم أشد الناس عذاباً يطئونهم فضلاً عن غيرهم من الكفار ، وهم لا يستطيعون القيام ، ومعنى كونهم في طريق جهنم بحيث يمر بالكفار عليهم ، أن الله سبحانه قد أوقف أمرهم بين أن ينتهوا ، فيكون خيراً لهم ، وبين أن يعودوا ويصروا ، فيدخلهم النار ، وهذه صفة من هو في طريق النار قال الله تعالى : « فمَن جاءَه مَوْعِظَةٌ من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى اللّه » البقرة . إلى آخر الآية وفي بعض المسندات أنه رأى بطونهم كالبيوت ، يعني : آكلة الربا ، وفيها حيات ترى خارج البطون . فإن قيل : هذه الأحوال