عبد الرحمن السهيلي

150

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

والرواة أثبات ، ولا سبيل إلى تكذيب بعضهم ولا توهينهم ، فدل على صحة القول بأنه كان مرتين ، وعاد الاختلاف إلى أنه كان كله حقاً ، ولكن في حالتين ووقتين مع ما يشهد له من ظاهر القرآن ، فإن الله سبحانه يقول : « ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فكان قابَ قَوْسَينِ أو أدنى فأوْحَى إلى عبده ما أوحى » ثم قال : « ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رأى » النجم فهذا نحو ما وقع في حديث أنس من قوله : فيما يراه قلبه ، وعينه نائمة والفؤاد : هو القلب ، ثم قال : « أفَتُمارُونَه على ما يَرى » ولم يقل : ما قد رأى ، فدل على أن ثم رؤيةً أخرى بعد هذه ، ثم قال : « ولقد رآه نَزْلَةً أخْرَى » أي : في نزلة نزلها جبريل إليه مرة ، فرآه في صورته التي هو عليها « عِنْد سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى إذْ يغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى » قال : يغشاها فراش من ذهب ، وفي رواية : ينتثر منها الياقوت ، وثمرها مثل قلال هجر ثم قال : « ما زَاغَ الْبَصَرُ » ولم يقل : الفؤاد ، كما قال في التي قبل هذه ، فدل على أنها رؤية عين وبصر في النزلة الأخرى ، ثم قال : « لقد رأى مِنْ آيَاتِ رَبِّه الْكُبرى » ، وإذا كانت رؤية عين ؛ فهي من الآيات الكبرى ، ومن أعظم البراهين والعبر ، وصارت الرؤيا الأولى بالإضافة إلى الأخرى ليست من الكبر ؛ لأن ما يراه العبد في منامه دون ما يراه في يقظته لا محالة ، وكذلك قال في أكثر الأحاديث إنه رأى عند سدرة المنتهى نهرين ظاهرين ، ونهرين باطنين ، وأخبره جبريل أن الظاهرين : النيل والفرات ، وذكر في حديث أنس أنه رأى هذين النهرين في السماء الدنيا ، وقال له الملك : هما النيل والفرات ، اصلهما وعنصرهما ، فيحتمل أن يكون رأى في حال اليقظة منبعهما ، ورأى في المرة الأولى النهرين دون أن يرى أصلهما والله أعلم . فقد جاء في تفسير قوله تعالى : « وأنزلنا من السماءِ ماءً بِقَدَرٍ فأسْكَنَّاه في الأَرْضِ » المؤمنون أنهما النيل والفرات أنزلا من الجنة من أسفل درجة منها على جناح جبريل ، فأودعهما بطون الجبال ثم إن الله سبحانه سيرفعهما ، ويذهب بهما عند رفع القرآن وذهاب الإيمان ، فلا يبقى على الأرض خير ، وذلك قوله تعالى : « وإنّا عَلَى ذَهَابٍ به لَقَادرُون » وفي حديث مسند ذكره النحاس في المعاني بأتم من هذا فاختصره ، ووقع في كتاب المعلم للمازري قول رابع في الجمع بين الأقوال قال : كان الإسراء بجسده في اليقظة إلى بيت المقدس ، فكانت رؤيا عين ، ثم أسرى بروحه إلى فوق سبع سماوات ، ولذلك شنع الكفار قوله : وأتيت بيت المقدس في ليلتي هذه ، ولم يشنعوا قوله فيما سوى ذلك . شماس البراق : فصل : ومما يسأل عنه في هذا الحديث شماس البراق حين ركبه النبي صلى الله عليه وسلم فقال له جبريل : أما تستحيي يا براق ، فما ركبك عبد لله قبل محمد هو أكرم عليه منه ، فقد قيل : في نفرته ما قاله ابن بطال في شرح الجامع الصحيح ، قال : كان ذلك لبعد عهد البراق بالأنبياء ، وطول الفترة بين عيسى ومحمد عليهما السلام ، وروى غيره في ذلك سبباً آخر قال في روايته في حديث الإسراء : قال جبريل لمحمد عليه السلام حين شمس به البراق : لعلك يا محمد مسست الصفراء اليوم ، فأخبره النبي صلى الله عليه وسلم أنه ما مسها إلا أنه مر بها ، فقال : تباً لمن يعبدك من دون الله ، وما مسها إلا لذلك ، وذكر هذه الرواية أبو سعيد النيسابوري في شرف المصطفى ، فالله أعلم ، وقد جاء ذكر الصفراء في مسند البزار ، وأنها كانت صنماً بعضه من ذهب فكسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح ، وفي الحديث الذي خرجه الترمذي من طريق بريدة الأسلمي أنه عليه السلام حين انتهى إلى بيت المقدس ، قال جبريل : بإصبعه إلى الصخرة ، فخرقها فشد بها البراق ، وصلى ، وأن حذيفة أنكر هذه الرواية ، وقال : لم يفر منه وقد سخره له عالم الغيب والشهادة ، وفي هذا من الفقه على رواية بريدة : التنبيه على الأخذ بالحزم مع صحة التوكل ، وأن الإيمان بالقدر كما روي عن وهب بن منبه لا يمنع الحازم من توقي المهالك . قال وهب : وجدته في سبعين كتاباً من كتب الله القديمة ، وهذا نحو من قوله