عبد الرحمن السهيلي
149
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
قال : ليلة أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من مسجد الكعبة أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه ، وهو نائم في المسجد الحرام ، فقال أولهم : أيهم هو ؟ فقال أوسطهم : هو هذا ، وهو خيرهم ، فقال آخرهم : خذوا خيرهم فكان تلك الليلة ، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى ، فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه ، وكذلك الأنبياء عليهم السلام تنام أعينهم ، ولا تنام قلوبهم ، فلم يكلموه ، حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم ، فتولاه منهم جبريل . الحديث بطوله ، وقال في آخره : واستيقظ ، وهو في المسجد الحرام ، وهذا نص لا إشكال فيه أنها كانت رؤيا صادقة ، وقال أصحاب القول الثاني : قد تكون الرؤيا بمعنى الرؤية في اليقظة ، وأنشدوا للراعي يصف صائداً : وكبّر للرّؤيا ، وهشّ فؤاده * وبشّر قلباً كان جمّاً بلابله قالوا : وفي الآية بيان أنها كانت في اليقظة ، لأنه قال : « وما جعلنا الرُّؤْيا التي أرَيْناكَ إلاَّ فتنة للناس » ولو كانت رؤيا نوم ما افتتن بها الناس حتى ارتد كثير ممن أسلم ، وقال الكفار : يزعم محمد أنه أتى بيت المقدس ، ورجع إلى مكة ليلته ، والعير تطرد إليها شهراً مقبلةً وشهراً مدبرةً ، ولو كانت رؤيا نوم ، لم يستبعد أحد منهم هذا ، فمعلوم أن النائم قد يرى نفسه في السماء ، وفي المشرق والمغرب ، فلا يستبعد منه ذلك واحتج هؤلاء أيضاً بشربه الماء من الإناء الذي كان مغطى عند القوم ، ووجدوه حين أصبح لا ماء فيه ، وبإرشاده للذين ند بعيرهم حين أنفرهم حس الدابة ، وهو البراق حتى دلهم عليه ، فأخبر أهل مكة بأمارة ذلك ، حتى ذلك الغرارتين السوداء والبرقاء كما في هذا الكتاب ، وفي رواية يونس : أنه وعد قريشاً بقدوم العير التي أرشدهم إلى البعير ، وشرب إناءهم ، وأنهم سيقدمون ويخبرون بذلك ، فقالوا : يا محمد متى يقدمون ؟ فقال : يوم الأربعاء ، فلما كان ذلك اليوم ، ولم يقدموا ، حتى كربت الشمس أن تغرب ، فدعا الله فحبس الشمس حتى قدموا كما وصف ، قال : ولم يحبس الشمس إلا له ذلك اليوم ، وليوشع بن نون وهذا كله لا يكون إلا يقظةً ، وذهبت طائفة ثالثة ، منهم : شيخنا القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله إلى تصديق المقالتين ، وتصحيح الحديثين ، وأن الإسراء كان مرتين ، إحداهما : كان في نومه وتوطئةً له وتيسيراً عليه ، كما كان بدء نبوته الرؤيا الصادقة ، ليسهل عليه أمر النبوة فإنه عظيم تضعف عنه القوى البشرية ، وكذلك الإسراء سهله عليه بالرؤيا ؛ لأن هوله عظيم ، فجاءه في اليقظة على توطئة وتقدمة ، رفقاً من الله بعبده وتسهيلاً عليه ، ورأيت المهلب في شرح البخاري قد حكى هذا القول عن طائفة من العلماء ، وأنهم قالوا : كان الإسراء مرتين : مرةً في نومه ، ومرة في يقظته ببدنه صلى الله عليه وسلم . قال المؤلف : وهذا القول هو الذي يصح ، وبه تتفق معاني الأخبار ، ألا ترى أنه قال في حديث أنس الذي قدمنا ذكره : أتاه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه ، ومعلوم أن الإسراء كان بعد النبوة ، وحين فرضت الصلاة كما قدمنا في الجزء قبل هذا ، وقيل كان قبل الهجرة بعام ، ولذلك قال في الحديث : فارتد كثير ممن كان قد أسلم ، ورواه الحديثين حفاظ ، فلا يستقيم الجمع بين الروايتين إلا أن يكون الإسراء مرتين ، وكذلك ذكر في حديث أنس : أنه لقي إبراهيم في السماء السادسة وموسى في السابعة ، وفي أكثر الروايات الصحيحة أنه رأى إبراهيم عند البيت المعمور في السماء السابعة ، ولقي موسى في السادسة ، وفي رواية ابن إسحاق أتي بثلاثة آنية ، أحدها ماء فقال قائل : إن أخذ الماء غرق ، وغرقت أمته ، وفي إحدى روايات البخاري في الجامع الصحيح : أنه أتي بإناء فيه عسل ، ولم يذكر الماء