عبد الرحمن السهيلي

126

الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )

عودة المهاجرين من الحبشة وذكر ما بلغ أهل الحبشة من إسلام أهل مكة ، وكان باطلاً ، وسببه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة النجم ، فألقى الشيطان في أمنيته ، أي : في تلاوته عند ذكر اللات والعزى ، وإنهم لهم الغرانقة العلى ، وإن شفاعتهم لترتجى ، فطار ذلك بمكة ، فسر المشركون ، وقالوا : قد ذكر آلهتنا بخير فسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخرها ، وسجد المشركون والمسلمون ، ثم أنزل الله تعالى : « فينسَخ اللَّهُ ما يُلقي الشيطان » الآية ، فمن ههنا اتصل بهم في أرض الحبشة أن قريشاً قد أسلموا ، ذكره موسى بن عقبة وابن إسحق من غير رواية البكائي ، وأهل الأصول يدفعون هذا الحديث بالحجة ، ومن صححه قال فيه أقوالاً ، منها : أن الشيطان قال ذلك وأشاعه . والرسول عليه السلام لم ينطق به ، وهذا جيد لولا أن في حديثهم أن جبريل قال لمحمد : ما أتيتك بهذا ، ومنها : أن النبي صلى الله عليه وسلم قالها من قبل نفسه ، وعنى بها الملائكة : إن شفاعتهم لترتجى . ومنها : أن النبي عليه السلام قاله حاكياً عن الكفرة ، وأنهم يقولون ذلك ، فقالها متعجباً من كفرهم ، والحديث على ما خيلت غير مقطوع بصحته ، والله أعلم . وسمى الذين قدموا منهم من أجل ذلك الخبر ، وذكر فيهم طليباً ، وقال في نسبه : ابن أبي كبير بن عبد بن قصي ، وزيادة أبي كبير في هذا الموضع لا يوافق عليه وكذلك وجدت في حاشية كتاب الشيخ التنبيه على هذا وذكره أبو عمر ونسبه كما نسبه ابن إسحاق بزيادة : أبي كبير ، وكان بدرياً في إحدى الروايتين عن ابن إسحاق ، وكذلك قال الواقدي وابن عقبة ، ومات بأجنادين شهيداً لا عقب له . حول قول لبيد : فصل : وذكر قول لبيد : ألا كلّ شيء ما * خلا اللّه باطل وقصة ابن مظعون إلى آخرها ، وليس فيها ما يشكل غير سؤال واحد ، وهو قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : أصدق كلمة قالها الشاعر قول لبيد : ألا كلّ شيءٍ ما * خلا اللّه باطل فصدقه في هذا القول وهو عليه السلام يقول في مناجاته : أنت الحق ، وقولك الحق ، ووعدك الحق ، والجنة حق ، والنار حق ، ولقاؤك حق . فكيف يجتمع هذا مع قوله : ألا كلّ شيءٍ ما * خلا اللّه باطل فالجواب من وجهين أحدهما : أن يريد بقوله : ما خلا الله : ما عداه ، وعدا رحمته التي وعد بها من رحمه ، والنار وما توعد به من عقابه ، وما سوى هذا فباطل أي : مضمحل والجواب الثاني : أن الجنة والنار وإن كانتا حقاً ، فإن الزوال عليهما جائز لذاتهما ، وإنما يبقيان بإبقاء الله لهما ، وأنه يخلق الدوام لأهلهما على قول من جعل الدوام والبقاء معنىً زائداً على الذات ، وهو قول الأشعري ، وإنما الحق على الحقيقة من لا يجوز عليه الزوال ،