عبد الرحمن السهيلي
127
الروض الأنف في تفسير السيرة النبوية ( دار الفكر )
وهو القديم الذي انعدامه محال ؛ ولذلك قال عليه السلام : أنت الحق بالألف واللام ، أي المستحق لهذا الاسم على الحقيقة ، وقولك الحق ؛ لأن قوله قديم ، وليس بمخلوق فيبيد ، ووعدك الحق كذلك ، لأن وعده كلامه ، هذا مقتضى الألف واللام ، ثم قال : والجنة حق ، والنار حق بغير ألف ولام ، ولقاؤك حق كذلك ؛ لأن هذه أمور محدثات والمحدث لا يجب له البقاء من جهة ذاته ، وإنما علمنا بقاءها من جهة الخبر الصادق الذي لا يجوز عليه الخلف ، لا من جهة استحالة البقاء عليها ، كما يستحيل على القديم سبحانه الذي هو الحق ، وما خلاه باطل ، فإما جوهر وإما عرض ، وليس في الأعراض إلا ما يجب له الفناء ، ولا في الجوهر إلا ما يجوز عليه الفناء والبطول ، وإن بقي ولم يبطل فجائز أن يبطل . وأما الحق سبحانه فليس من الجواهر والأعراض ، فاستحال عليه ما يجب لهما ، أو يجوز عليهما . ذكر حديث أبي بكر مع ابن الدغنة وذكر حديث أبي بكر حين لقي ابن الدغنة ، واسمه : مالك ، وهو سيد الأحابيش ، وقد سماهم ابن إسحاق ، وهم : بنو الحارث وبنو الهون من كنانة ، وبنو المصطلق من خزاعة تحبشوا ، أي : تجموا ، فسموا الأحابيش . قيل : إنهم تحالفوا عند جبيل ، يقال له حبشي ، فاشتق لهم منه هذا الاسم . وقوله لأبي بكر : إنك لتكسب المعدوم ، يقال : كسبت الرجل مالاً ، فتعديه إلى مفعولين . هذا قول الأصمعي ، وحكى غيره : أكسبته مالاً ، فمعنى تكسب المعدوم ، أي : تكسب غيرك ما هو معدوم عنده ، والدغنة : اسم امرأة عرف بها الرجل ، والدغن : الغيم يبقى بعد المطر . الشعب ونقض الصحيفة : فصل : وذكر نقض الصحيفة ، وقيام هشام فيها ونسبه ، فقال : هشام بن الحارث ، بن حبيب ، وفي الحاشية عن أبي الوليد : إنما هو هشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث ، وهكذا وقع نسبه في رواية يونس عن ابن إسحاق ، وكان أبوه عمرو أخا نضلة بن هاشم لأمه . وذكر أنه كان يأتي بالبعير قد أوقره بزاً بالزاي المعجمة ، وفي غير نسخة الشيخ أبي بحر : براً ، وفي رواية يونس : بزاً أو براً على الشك من الراوي . وذكر أن منصور بن عكرمة كان كاتب الصحيفة ، فشلت يده ، وللنساب من قريش في كاتب الصحيفة قولان ، أحدهما : أن كاتب الصحيفة هو : بغيض بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار ، والقول الثاني : أنه منصور بن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبدا الدار أيضاً ، وهو خلاف قول ابن إسحاق ، ولم يذكر الزبير في كاتب الصحيفة غير هذين القولين ، والزبيريون أعلم بأنساب قومهم . وذكر ما أصاب المؤمنين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب من ضيق الحصار لا يبايعون ولا يناكحون ، وفي الصحيح : أنهم جهدوا حتى كانوا يأكلون الخبط وورق السمر ، حتى إن أحدهم ليضع كما تضع الشاة ، وكان فيهم سعد بن أبي وقاص . روي أنه قال : لقد جعت ، حتى إني وطئت ذات ليلة على شيء رطب ، فوضعته في فمي وبلعته ، وما أدري ما هو إلى الآن ، وفي رواية يونس : أن سعداً قال : خرجت ذات ليلة لأبول ، فسمعت قعقعةً تحت البول ، فإذا قطعة من جلد بعير يابسة ، فأخذتها وغسلتها ، ثم أحرقتها ثم رضضتها ، وسففتها بالماء ، فقويت بها ثلاثاً ، وكانوا إذا قدمت العير مكة يأتي أحدهم السوق ليشتري شيئاً من الطعام لعياله ، فيقوم أبو لهب عدو الله ، فيقول : يا معشر التجار : غالوا على أصحاب محمد ، حتى لا يدركوا معكم شيئاً ، فقد علمتم ما لي ووفاء ذمتي ، فأنا ضامن أن لا خسار عليكم ، فيزيدون عليهم في السلعة ، قيمتها أضعافاً ، حتى يرجع إلى أطفاله ، وهم يتضاغون من الجوع ، وليس في يديه شيء يطعمهم به ، ويغدو التجار على أبي لهب ،