فخر الدين الرازي
86
تفسير الرازي
ثم إنه بين حالهم عندما ذكروا هذا الجواب فقال : * ( هم للكفر يومئذ أقرب منهم للايمان ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : في التأويل وجهان : الأول : أنهم كانوا قبل هذه الواقعة يظهرون الايمان من أنفسهم وما ظهرت منهم أمارة تدل على كفرهم ، فلما رجعوا عن عسكر المؤمنين تباعدوا بذلك عن أن يظن بهم كونهم مؤمنين . واعلم أن رجوعهم عن معاونة المسلمين دل على أنهم ليسوا من المسلمين ، وأيضاً قولهم : * ( لو نعلم قتالا لاتبعناكم ) * يدل على أنهم ليسوا من المسلمين ، وذلك لأنا بينا أن هذا الكلام يدل إما على السخرية بالمسلمين ، وإما على عدم الوثوق بقول النبي صلى الله عليه وسلم وكل واحد منهما كفر . الوجه الثاني : في التأويل أن يكون المراد أنهم لأهل الكفر أقرب نصرة منهم لأهل الايمان ، لأن تقليلهم سواد المسلمين بالانعزال يجر إلى تقوية المشركين . المسألة الثانية : قال أكثر العلماء : ان هذا تنصيص من الله تعالى على أنهم كفار ، قال الحسن إذا قال الله تعالى : * ( أقرب ) * فهو اليقين بأنهم مشركون ، وهو مثل قوله : * ( مائة ألف أو يزيدون ) * فهذه الزيادة لا شك فيها ، وأيضا المكلف لا يمكن أن ينفك عن الايمان والكفر ، فلما دلت الآية على القرب لزم حصول الكفر . وقال الواحدي في " البسيط " : هذه الآية دليل على أن من أتى بكلمة التوحيد لم يكفر ولم يطلق القول بتكفيره ، لأنه تعالى لم يطلق القول بكفرهم مع أنهم كانوا كافرين ، لاظهارهم القول بلا إله إلا الله محمد رسول الله . ثم قال تعالى : * ( يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم ) * والمراد أن لسانهم مخالف لقلبهم ، فهم وإن كانوا يظهرون الايمان باللسان لكنهم يضمرون في قلوبهم الكفر . ثم قال : * ( والله أعلم بما يكتمون ) * . فان قيل : إن المعلوم إذا علمه عالمان لا يكون أحدهما أعلم به من الآخر ، فما معنى قوله : * ( والله أعلم بما يكتمون ) * . قلنا : المراد أن الله تعالى يعلم من تفاصيل تلك الأحوال ما لا يعلمه غيره .