فخر الدين الرازي

54

تفسير الرازي

لما قالوا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ، فهذا يدل على أن أولئك الاخوان كانوا ميتين ومقتولين عند هذا القول ، فوجب أن يكون المراد من قوله : * ( وقالوا لإخوانهم ) * هو أنهم قالوا ذلك لأجل إخوانهم ، ولا يكون المراد هو أنهم ذكروا هذا القول مع إخوانهم . المسألة الثالثة : قوله : * ( إخوانهم ) * يحتمل أن يكون المراد منه الاخوة في النسب وان كانوا مسلمين ، كقوله تعالى : * ( وأغلى عاد أخاهم هودا ) * ( الأعراف : 65 ) * ( والى ثمود أخاهم صالحا ) * ( الأعراف : 73 ) فان الاخوة في هذه الآيات أخوة النسب لا أخوة الدين ، فلعل أولئك المقتولين من المسلمين كانوا من أقارب المنافقين ، فالمنافقون ذكروا هذا الكلام ، ويحتمل أن يكون المراد من هذه الأخوة المشاكلة في الدين ، واتفق إلى أن صار بعض المنافقين مقتولا في بعض الغزوات فالذين بقوا من المنافقين قالوا ذلك . المسألة الرابعة : المنافقون كانوا يظنون أن الخارج منهم لسفر بعيد ، وهو المراد بقوله : * ( إذا ضربوا في الأرض ) * والخارج إلى الغزو ، وهو المراد بقوله : * ( أو كانوا غُزى ) * إذا نالهم موت أو قتل فذلك إنما نالهم بسبب السفر والغزو ، وجعلوا ذلك سببا لتنفير الناس عن الجهاد ، وذلك لأن في الطباع محبة الحياة وكراهية الموت والقتل ، فإذا قيل للمرء : ان تحرزت من السفر والجهاد فأنت سليم طيب العيش ، وان تقحمت أحدهما وصلت إلى الموت أو القتل ، فالغالب أنه ينفر طبعه عن ذلك ويرغب في ملازمة البيت ، وكان ذلك من مكايد المنافقين في تنفير المؤمنين عن الجهاد . فان قيل : فلماذا ذكر بعض الضرب في الأرض الغزو وهو داخل فيه ؟ قلنا : لأن الضرب في الأرض يراد به الابعاد في السفر ، لا ما يقرب منه ، وفي الغزو لا فرق بين بعيده وقريبه ، إذ الخارج من المدينة إلى جبل أحد لا يوصف بأنه ضارب في الأرض مع قرب المسافة وان كان غازيا ، فهذا فائدة إفراد الغزو عن الضرب في الأرض . المسألة الخامسة : في الآية إشكال وهو أن قوله : * ( وقالوا لإخوانهم ) * يدل على الماضي ، وقوله : * ( إذا ضربوا ) * يدل على المستقبل فكيف الجمع بينهما ؟ بل لو قال : وقالوا لإخوانهم إذ ضربوا في الأرض ، أي حين ضربوا لم يكن فيه إشكال . والجواب عنه من وجوه : الأول : أن قوله : * ( قالوا ) * تقديره : يقولون فكأنه قيل : لا تكونوا كالذين كفروا ويقولون لإخوانهم كذا وكذا ، وإنما عبر عن المستقبل بلفظ الماضي لفائدتين : أحدهما : أن الشيء الذي يكون لازم الحصول في المستقبل فقد يعبر عنه بأنه حدث أو هو حادث قال تعالى : * ( أتى أمر الله ) * وقال : * ( إنك ميت ) * ( الزمر : 30 ) فهنا لو وقع التعبير عنه بلفظ المستقل لم يكن فيه مبالغة أما لما وقع التعبير عنه بلفظ الماضي ، دل ذلك على أن جدهم واجتهادهم في تقرير الشبهة قد بلغ