فخر الدين الرازي
55
تفسير الرازي
الغاية ، وصار بسبب ذلك الجد هذا المستقبل كالكائن الواقع . الفائدة الثانية : انه تعالى لما عبر عن المستقبل بلفظ الماضي دل ذلك على أنه ليس المقصود الاخبار عن صدور هذا الكلام ، بل المقصود الاخبار عن جدهم واجتهادهم في تقرير هذه الشبهة ، فهذا هو الجواب المعتمد عندي والله أعلم . الوجه الثاني في الجواب : أن الكلام خرج على سبيل حكاية الحال الماضية ، والمعنى أن إخوانهم إذا ضربوا في الأرض ، فالكافرون يقولون لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ، فمن أخبر عنهم بعد ذلك لا بد وأن يقول : قالوا ، فهذا هو المراد بقولنا : خرج هذا الكلام على سبيل حكاية الحال الماضية . الوجه الثالث : قال قطرب : كلمة " إذ " وإذا ، يجوز إقامة كل واحدة منهما مقام الأخرى ، وأقول : هذا الذي قاله قطرب كلام حسن ، وذلك لأنا إذا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول منقول عن قائل مجهول ، فلأن يجوز اثباتها بالقرآن العظيم ، كان ذلك أولى ، أقصى ما في الباب أن يقال " إذ " حقيقة في المستقبل ، ولكن لم لا يحوز استعماله في الماضي على سبيل المجاز لما بينه وبين كلمة " إذ " من المشابهة الشديدة ؟ وكثيرا أرى النحويين يتحيرون في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن ، فإذا استشهدوا في تقريره ببيت مجهول فرحوا به ، وأنا شديد التعجب منهم ، فإنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وفقه دليلا على صحته ، فلأن يجعلوا ورود القرآن به دليلا على صحته كان أولى . المسألة السادسة : * ( غزى ) * جمع غاز ، كالقول والركع والسجد ، جمع قائل وراكع وساجد ، ومثله من الناقص " عفا " ويجوز أيضا : غزاة ، مثل قضاة ورماة في جمع القاضي والرامي ، ومعنى الغزو في كلام العرب قصد العدو ، والمغزى المقصد . المسألة السابعة : قال الواحدي : في الآية محذوف يدل عليه الكلام ، والتقدير : إذا ضربوا في الأرض فماتوا أو كانوا غزاة فقتلوا ، لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ، فقوله : * ( ما ماتوا وما قتلوا ) * يدل على موتهم وقتلهم ، ثم قال تعالى : * ( ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم ) * وفيه وجهان : الأول : أن التقدير أنهم قالوا ذلك الكلام ليجعل الله ذلك الكلام حسرة في قلوبهم ، مثل ما يقال : ربيته ليؤذيني ونصرته ليقهرني ومثله قوله تعالى : * ( فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدواً وحزنا ) * ( القصص : 8 ) إذا عرفت هذا فنقول : ذكروا في بيان أن ذلك القول كيف استعقب حصول الحسرة في قلوبهم وجوها : الأول : أن أقارب ذلك المقتول إذا سمعوا هذا الكلام ازدادت الحسرة في قلوبهم ، لان أحدهم يعتقد أنه لو بالغ في منعه عن ذلك السفر وعن ذلك الغزو لبقي ، فذلك الشخص انما مات أو قتل بسبب أن هذا الانسان قصر في