فخر الدين الرازي

53

تفسير الرازي

الاَْرْضِ أَوْ كَانُواْ غُزًّى لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ حَسْرَةً فِى قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيىِ وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ * وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ * وَلَئِنْ مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ ) * . اعلم أن المنافقين كانوا يعيرون المؤمنين في الجهاد مع الكفار بقولهم : لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ، ثم إنه لما ظهر عن بعض المؤمنين فتور وفشل في الجهاد حتى وقع يوم أحد ما وقع وعفا الله بفضله عنهم ، ذكر في هذه الآية ما يدل على النهي عن أن يقول أحد من المؤمنين مثل مقالتهم فقال : يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا لمن يريد الخروج إلى الجهاد : لو لم تخرجوا لما متم وما قتلتم فان الله هو المحيي والمميت ، فمن قدر له البقاء لم يقتل في الجهاد ، ومن قدر له الموت لم يبق وان لم يجاهد ، وهو المراد من قوله : * ( والله يحيى ويميت ) * وأيضا الذي قتل في الجهاد ، لو أنه ما خرج إلى الجهاد لكان يموت لا محالة ، فإذا كان لا بد من الموت فلأن يقتل في الجهاد حتى يستوجب الثواب العظيم ، كان ذلك خيرا له من أن يموت من غير فائدة ، وهو المراد من قوله : * ( ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون ) * فهذا هو المقصود من الكلام ، وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : اختلفوا في المراد بقوله : * ( كالذين كفروا ) * فقال بعضهم : هو على إطلاقه ، فيدخل فيه كل كافر يقول مثل هذا القول سواء كان منافقا أو لم يكن ، وقال آخرون : انه مخصوص بالمنافقين لأن هذه الآيات من أولها إلى آخرها مختصة بشرح أحوالهم ، وقال آخرون : هذا مختص بعبد الله بن أبي بن سلول ، ومعتب بن قشير ، وسائر أصحابه ، وعلى هذين القولين فالآية تدل على أن الايمان ليس عبارة عن الاقرار باللسان ، كما تقول الكرامية : إذ لو كان كذلك لكان المنافق مؤمناً ، ولو كان مؤمناً لما سماه الله كافراً . المسألة الثانية : قال صاحب " الكشاف " : قوله : * ( وقالوا لإخوانهم ) * أي لأجل إخراجهم كقوله : * ( وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيراً ما سبقونا إليه ) * ( الأحقاف : 11 ) وأقول : تقرير هذا الوجه أنهم