فخر الدين الرازي

52

تفسير الرازي

خاطر خطر ببالهم وكانوا مخطئين فيه . الثاني : انهم لما أذنبوا بسبب مفارقة ذلك المكان أزلهم الشيطان بشؤم هذه المعصية وأوقعهم في الهزيمة ، لأن الذنب يجر إلى الذنب ، كما أن الطاعة تجر إلى الطاعة . ويكون لطفا فيها . الثالث : لما أذنبوا بسبب الفشل ومنازعة بعضهم مع بعض وقعوا في ذلك الذنب . والوجه الثاني : أن يكون المعنى : استزلهم الشيطان في بعض ما كسبوا ، لا في كل ما كسبوا ، والمراد منه بيان انهم ما كفروا وما تركوا دينهم ، بل هذه زلة وقعت لهم في بعض أعمالهم . ثم قال تعالى : * ( ولقد عفا الله عنهم ) * . واعلم أن هذه الآية دلت على أن تلك الزلة ما كانت بسبب الكفر ، فان العفو عن الكفر لا يجوز لقوله تعالى : * ( ان الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) * ( النساء : 48 ) ثم قالت المعتزلة : ذلك الذنب ان كان من الصغائر جاز العفو عنه من غير توبة ، وان كان من الكبائر لم يجز الا مع التوبة ، فههنا لا بد من تقدم التوبة منهم ، وان كان ذلك غير مذكور في الآية ، قال القاضي : والأقرب أن ذلك الذنب كان من الصغائر ويدل عليه وجهان : الأول : أنه لا يكاد في الكبائر يقال إنها زلة ، إنما يقال ذلك في الصغائر . الثاني : أن القوم ظنوا أن الهزيمة لما وقعت على المشركين لم يبق إلى ثباتهم في ذلك المكان حاجة ، فلا جرم انتقلوا عنه وتحولوا لطلب الغنيمة ، ومثل هذا لا يبعد أن يكون من باب الصغائر لأن للاجتهاد في مثله مدخلا ، وأما على قول أصحابنا فالعفو عن الصغائر والكبائر جائز ، فلا حاجة إلى هذه التكلفات . ثم قال تعالى : * ( ان الله غفور حليم ) * أي غفور لمن تاب وأناب ، حليم لا يعجل بالعقوبة . وقد احتج أصحابنا بهذه الآية على أن ذلك الذنب كان من الكبائر ، لأنه لو كان من الصغائر لوجب على قول المعتزلة أن يعفو عنه ، ولو كان العفو عنه واجبا لما حسن التمدح به ، لأن من يظلم إنسانا فإنه لا يحسن أن يتمدح بأنه عفا عنه وغفر له ، فلما ذكر هذا التمدح علمنا أن ذلك الذنب كان من الكبائر ، ولما عفا عنه علمنا أن العفو عن الكبائر واقع والله أعلم . * ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لاَ تَكُونُواْ كاَلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُواْ فِى