فخر الدين الرازي

29

تفسير الرازي

القاضي : ولا يمتنع أن تكون هذه الآية مختصة بالشهداء ، وقد أخبر الله تعالى عن بعضهم أنهم أحياء عند ربهم يرزقون ، فيكون حال هؤلاء الربيين أيضا كذلك ، فإنه تعالى في حال انزال هذه الآية كان قد آتاهم حسن ثواب الآخرة في جنان السماء . المسألة الثانية : خص تعالى ثواب الآخرة بالحسن تنبيها على جلالة ثوابهم ، وذلك لأن ثواب الآخرة كله في غاية الحسن ، فما خصه الله بأنه حسن من هذا الجنس فانظر كيف يكون حسنه ، ولم يصف ثواب الدنيا بذلك لقلتها وامتزاجها بالمضار وكونها ، منقطعة زائلة ، قال القفال رحمه الله : يحتمل أن يكون الحسن هو الحسن كقوله : * ( وقولوا للناس حسنا ) * ( البقرة : 83 ) أي حسنا ، والغرض منه المبالغة كأن تلك الأشياء الحسنة لكونها عظيمة في الحسن صارت نفس الحسن ، كما يقال : فلان جود وكرم ، إذا كان في غاية الجود والكرم والله أعلم . المسألة الثالثة : قال فيما تقدم : * ( ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها ) * ( آل عمران : 145 ) فذكر لفظة " من " الدالة على التبعيض فقال في الآية : * ( فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ) * ولم يذكر كلمة " من " والفرق : أن الذين يريدون ثواب الآخرة انما اشتغلوا بالعبودية لطلب الثواب ، فكانت مرتبتهم في العبودية نازلة ، وأما المذكورون في هذه الآية فإنهم لم يذكروا في أنفسهم الا الذنب والقصور ، وهو المراد من قوله : * ( اغفر لنا ذنوبنا واسرافنا في أمرنا ) * ( آل عمران : 147 ) ولم يروا التدبير والنصرة والإعانة الا من ربهم ، وهو المراد بقوله : * ( وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين ) * ( آل عمران : 147 ) فكان مقام هؤلاء في العبودية في غاية الكمال ، فلا جرم أولئك فازوا ببعض الثواب ، وهؤلاء فازوا بالكل ، وأيضا أولئك أرادوا الثواب ، وهؤلاء ما أرادوا الثواب . وإنما أرادوا خدمة مولاهم فلا جرم أولئك حرموا وهؤلاء أعطوا ، ليعلم أن كل من أقبل على خدمة الله أقبل على خدمته كل ما سوى الله . ثم قال : * ( والله يحب المحسنين ) * وفيه دقيقة لطيفة وهي أن هؤلاء اعترفوا بكونهم مسيئين حيث قالوا : * ( ربنا أغفر لنا ذنوبنا واسرافنا في أمرنا ) * فلما اعترفوا بذلك سماهم الله محسنين ، كأن الله تعالى يقول لهم : إذا اعترفت باساءتك وعجزك فأنا أصفك بالاحسان وأجعلك حبيبا لنفسي ، حتى تعلم أنه لا سبيل للعبد إلى الوصول إلى حضرة الله الا باظهار الذلة والمسكنة والعجز . وأيضا : انهم لما أرادوا الاقدام على الجهاد طلبوا تثبيت أقدامهم في دينه ونصرتهم على العدو من الله تعالى ، فعند ذلك سماهم بالمحسنين ، وهذا يدل على أن العبد لا يمكنه الاتيان بالفعل الحسن ، الا إذا أعطاه الله ذلك الفعل