فخر الدين الرازي

30

تفسير الرازي

الحسن وأعانه عليه ، ثم إنه تعالى قال : * ( هل جزاء الاحسان الا الاحسان ) * ( الرحمن : 60 ) وقال : * ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) * ( يونس : 26 ) وكل ذلك يدل على أنه سبحانه هو الذي يعطي الفعل الحسن للعبد ، ثم أنه يثيبه عليه ليعلم العبد ان الكل من الله وباعانة الله . * ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِن تُطِيعُواْ الَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنقَلِبُواْ خَاسِرِينَ * بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاِصرِينَ ) * . واعلم أن هذه الآية من تمام الكلام الأول ، وذلك لأن الكفار لما أرجفوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قد قتل ، ودعا المنافقون بعض ضعفة المسلمين إلى الكفر ، منع الله المسلمين بهذه الآية عن الالتفات إلى كلام أولئك المنافقين . فقال : * ( يا أيها الذين آمنوا ان تطيعوا الذين كفروا ) * وفي الآية مسائل : المسألة الأولى : قيل : * ( ان تطيعوا الذين كفروا ) * المراد أبو سفيان ، فإنه كان كبير القوم في ذلك اليوم ، قال السدي : المراد أبو سفيان لأنه كان شجرة الفتن ، وقال آخرون : المراد عبد الله بن أبي وأتباعه من المنافقين ، وهم الذين ألقوا الشبهات في قلوب الضعفة وقالوا لو كان محمد رسول الله ما وقعت له هذه الواقعة ، وإنما هو رجل كسائر الناس ، يوما له ويوما عليه ، فارجعوا إلى دينكم الذي كنتم فيه ، وقال آخرون : المراد اليهود لأنه كان بالمدينة قوم من اليهود ، وكانوا يلقون الشبهة في قلوب المسلمين ، ولا سيما عند وقوع هذه الواقعة ، والأقرب أنه يتناول كل الكفار ، لأن اللفظ عام وخصوص السبب لا يمنع من عموم اللفظ . المسألة الثانية : قوله : * ( ان تطيعوا الذين كفروا ) * لا يمكن حمله على طاعتهم في كل ما يقولونه بل لا بد من التخصيص فقيل : ان تطيعوهم فيما أمروكم به يوم أحد من ترك الاسلام ، وقيل : ان تطيعوهم في كل ما يأمرونكم من الضلال ، وقيل في المشورة ، وقيل في ترك المحاربة وهو قولهم : ( لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ) . ثم قال : * ( يردوكم على أعقابكم ) * يعني يردوكم إلى الكفر بعد الإيمان ، لأن قبول قولهم في الدعوة إلى الكفر كفر .