فخر الدين الرازي
28
تفسير الرازي
الامداد والإعانة من الله ، والغرض منه أن يقتدى بهم في هذه الطريقة أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، فان من عول في تحصيل مهماته على نفسه ذل ، ومن اعتصم بالله فاز بالمطلوب ، قال القاضي : إنما قدموا قولهم : * ( ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا ) * لأنه تعالى لما ضمن النصرة للمؤمنين ، فإذا لم تحصل النصرة وظهر أمارات استيلاء العدو ، دل ذلك ظاهرا على صدور ذنب وتقصير من المؤمنين ؛ فلهذا المعنى يجب عليهم تقديم التوبة والاستغفار على طلب النصرة ، فبين تعالى أنهم بدأوا بالتوبة عن كل المعاصي وهو المراد بقوله : * ( ربنا اغفر لنا ذنوبنا ) * فدخل فيه كل الذنوب ، سواء كانت من الصغائر أو من الكبائر ، ثم إنهم خصوا الذنوب العظيمة الكبيرة منها بالذكر بعد ذلك لعظمها وعظم عقابها وهو المراد من قوله : * ( وإسرافنا في أمرنا ) * لان الاسراف في كل شيء هو الافراط فيه ، قال تعالى : * ( يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم ) * ( الزمر : 53 ) وقال : * ( فلا يسرف في القتل ) * ( الإسراء : 33 ) وقال : * ( كلوا واشربوا ولا تسرفوا ) * ( الأعراف : 31 ) ويقال : فلان مسرف إذا كان مكثرا في النفقة وغيرها ، ثم إنهم لما فرغوا من ذلك سألوا ربهم أن يثبت أقدامهم ، وذلك بإزالة الخوف عن قلوبهم ، وإزالة الخواطر الفاسدة عن صدورهم ، ثم سألوا بعد ذلك أن ينصرهم على القوم الكافرين ، لأن هذه النصرة لا بد فيها من أمور زائدة على ثبات أقدامهم ، وهو كالرعب الذي يلقيه في قلوبهم ، واحداث أحوال سماوية أو أرضية توجب انهزامهم ، مثل هبوب رياح تثير الغبار في وجوههم ، ومثل جريان سيل في موضع وقوفهم ، ثم قال القاضي : وهذا تأديب من الله تعالى في كيفية الطلب بالأدعية عند النوائب والمحن سواء كان في الجهاد أو غيره . * ( فَْآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الاَْخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ) * . واعلم أنه تعالى لما شرح طريقة الربيين في الصبر ، وطريقتهم في الدعاء ذكر أيضا ما ضمن لهم في مقابلة ذلك في الدنيا والآخرة فقال : * ( فآتاهم الله ثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : * ( فآتاهم الله ) * يقتضي أنه تعالى أعطاهم الامرين ، أما ثواب الدنيا فهو النصرة والغنيمة وقهر العدو والثناء الجميل ، وانشراح الصدر بنور الايمان وزوال ظلمات الشبهات وكفارة المعاصي والسيئات ، وأما ثواب الآخرة فلا شك أنه هو الجنة وما فيها من المنافع واللذات وأنواع السرور والتعظيم ، وذلك غير حاصل في الحال ، فيكون المراد أنه تعالى حكم لهم بحصولها في الآخرة ، فأقام حكم الله بذلك مقام نفس الحصول ، كما أن الكذب في وعد الله والظلم في عدله محال ، أو يحمل قوله : * ( فآتاهم ) * على أنه سيؤتيهم على قياس قوله : * ( أتي أمر الله ) * أي سيأتي أمر الله . قال