فخر الدين الرازي
27
تفسير الرازي
ودهري في النسبة إلى الدهر ، وقال ابن زيد : الربانيون الأئمة والولاة ، والربيون الرعية ، وهم المنتسبون إلى الرب . واعلم أنه تعالى مدح هؤلاء الربيين بنوعين : أولا بصفات النفي ، وثانيا بصفات الاثبات ، أما المدح بصفات النبي فهو قوله تعالى : * ( فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا ) * ولا بد من الفرق بين هذه الأمور الثلاثة ، قال صاحب " الكشاف " : ما وهنوا عند قتل النبي وما ضعفوا عن الجهاد بعده وما استكانوا للعدو ، وهذا تعريض بما أصابهم من الوهن والانكسار ، عند الارجاف بقتل رسولهم ، وبضعفهم عند ذلك عن مجاهدة المشركين ، واستكانتهم للكفار حتى أرادوا أن يعتضدوا بالمنافق عبد الله بن أبي ، وطلب الأمان من أبي سفيان ، ويحتمل أيضا أن يفسر الوهن باستيلاء الخوف عليهم ، ويفسر الضعف بأن يضعف إيمانهم ، وتقع الشكوك والشبهات في قلوبهم ، والاستكانة هي الانتقال من دينهم إلى دين عدوهم ، وفيه وجه ثالث وهو ان الوهن ضعف يلحق القلب . والضعف المطلق هو اختلال القوة والقدرة بالجسم ، والاستكانة هي إظهار ذلك العجز وذلك الضعف ، وكل هذه الوجوه حسنة محتملة ، قال الواحدي : الاستكانة الخضوع ، وهو أن يسكن لصاحبه ليفعل به ما يريد . ثم قال تعالى : * ( والله يحب الصابرين ) * والمعنى أن من صبر على تحمل الشدائد في طريق الله ولم يظهر الجزع والعجز والهلع فان الله يحبه ، ومحبة الله تعالى للعبد عبارة عن إرادة إكرامه واعزازه وتعظيمه ، والحكم له بالثواب والجنة ، وذلك نهاية المطلوب . ثم إنه تعالى أتبع ذلك بأن مدحهم بصفات الثبوت فقال : * ( وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِى أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ 1 ) * . وفيه مسألتان : المسألة الأولى : قوله : * ( وثبت أقدامنا ) * يدل على أن فعل العبد خلق الله تعالى ، والمعتزلة يحملونه على فعل الألطاف . المسألة الثانية : بين تعالى أنهم كانوا مستعدين عند ذلك التصبر والتجلد بالدعاء والتضرع بطلب