فخر الدين الرازي
224
تفسير الرازي
في آخر السورة : * ( قل الله يفتيكم في الكلالة ) * ( النساء : 176 ) فأثبت للأختين الثلثين ، وللأخوة كل المال ، وههنا أثبت للاخوة والأخوات الثلث ، فوجب أن يكون المراد من الاخوة والأخوات ههنا غير الاخوة والأخوات في تلك الآية ، فالمراد ههنا الاخوة والأخوات من الأم فقط ، وهناك الاخوة والأخوات من الأب والأم ، أو من الأب . ثم قال تعالى : * ( من بعد وصية يوصي بها أو دين ) * ( النساء : 11 ) وفيه مسائل : المسألة الأولى : اعلم أن ظاهر هذه الآية يقتضي جواز الوصية بكل المال وبأي بعض أريد ، ومما يوافق هذه الآية من الأحاديث ما روى نافع عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما حق امرئ مسلم له مال يوصى به ثم تمضي عليه ليلتان إلا ووصيته مكتوبة عنده " فهذا الحديث أيضا يدل على الاطلاق في الوصية كيف أريد ، إلا أنا نقول : هذه العمومات مخصوصة من وجهين : الأول : في قدر الوصية ، فإنه لا يجوز الوصية بكل المال بدلالة القرآن والسنة ، أما القرآن فالآيات الدالة على الميراث مجملا ومفصلا ، أما المجمل فقوله تعالى : * ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ) * ( النساء : 7 ) ومعلوم أن الوصية بكل المال تقتضي نسخ هذا النص ، وأما المفصل فهي آيات المواريث كقوله : * ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) * ( النساء : 11 ) ويدل عليه أيضا قوله تعالى : * ( وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم ) * ( النساء : 9 ) وأما السنة فهي الحديث المشهور في هذا الباب ، وهو قوله عليه الصلاة والسلام : " الثلث والثلث كثير إنك ان تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس " . واعلم أن هذا الحديث يدل على أحكام : أحدها : أن الوصية غير جائزة في أكثر من الثلث ، وثانيها : أن الأولى النقصان عن الثلث لقوله : " والثلث كثير " وثالثها : أنه إذا ترك القليل من المال وورثته فقراء فالأفضل له أن لا يوصي بشيء لقوله عليه الصلاة والسلام : " ان تترك ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس " ورابعها : فيه دلالة على جواز الوصية بجميع المال إذا لم يكن له وارث لأن المنع منه لأجل الورثة ، فعند عدمهم وجب الجواز . الوجه الثاني : تخصيص عموم هذه الآية في الموصى له ، وذلك لأنه لا يجوز الوصية لوارث ، قال عليه الصلاة والسلام : " ألا لا وصية لوارث " . المسألة الثانية : قال الشافعي رحمة الله عليه : إذا أخر الزكاة والحج حتى مات يجب إخراجهما من التركة ، وقال أبو حنيفة رضي الله عنه لا يجب ، حجة الشافعي : أن الزكاة الواجبة والحج الواجب