فخر الدين الرازي
225
تفسير الرازي
دين فيجب اخراجه بهذه الآية ، وإنما قلنا إنه دين ، لأن اللغة تدل عليه ، والشرع أيضاً يدل عليه ، أما اللغة فهو أن الدين عبارة عن الأمر الموجب للانقياد ، قيل في الدعوات المشهورة ؛ يا من دانت له الرقاب ، أي انقادت ، وأما الشرع فلأنه روي أن الخثعمية لما سألت الرسول صلى الله عليه وسلم عن الحج الذي كان على أبيها ، فقال عليه الصلاة والسلام : " أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان يجزئ ؟ فقالت نعم ، فقال عليه الصلاة والسلام فدين الله أحق أن يقضي " إذا ثبت أنه دين وجب تقديمه على الميراث لقوله تعالى : * ( من بعد وصية يوصى بها أو دين ) * قال أبو بكر الرازي : المذكور في الآية الدين المطلق ، والنبي صلى الله عليه وسلم سمى الحج دينا لله ، والاسم المطلق لا يتناول المقيد . قلنا : هذا في غاية الركاكة لأنه لما ثبت أن هذا دين ، وثبت بحكم الآية أن الدين مقدم على الميراث لزم المقصود لا محالة ، وحديث الاطلاق والتقييد كلام مهمل لا يقدح في هذا المطلوب والله أعلم . المسألة الثالثة : اعلم أن قوله تعالى : * ( غير مضار ) * نصب على الحال ، أي يوصى بها وهو غير مضار لورثته . واعلم أن الضرار في الوصية يقع على وجوه : أحدها : أن يوصي بأكثر من الثلث . وثانيها : أن يقر بكل ماله أو ببعضه لأجنبي . وثالثها : أن يقر على نفسه بدين لا حقيقة له دفعا للميراث عن الورثة . ورابعها : أن يقر بأن الدين الذي كان له على غيره قد استوفاه ووصل إليه . وخامسها : أن يبيع شيئاً بثمن بخمس أو يشتري شيئاً بثمن غال ، كل ذلك لغرض أن لا يصل المال إلى الورثة . وسادسها : أن يوصي بالثلث لا لوجه الله لكن لغرض تنقيص حقوق الورثة ، فهذا هو وجه الاضرار في الوصية . واعلم أن العلماء قالوا : الأولى أن يوصى بأقل من الثلث ، قال علي : لأن أوصي بالخمس أحب إلى من الربع . ولأن أوصي بالربع أحب إلي من أن أوصي بالثلث . وقال النخعي : قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يوص ، وقبض أبو بكر فوصى ، فان أوصى الانسان فحسن ، وإن لم يوص فحسن أيضا . واعلم أن لأولى بالانسان أن ينظر في قدر ما يخلف ومن يخلف ، ثم يجعل وصيته بحسب ذلك فإن كان ماله قليلا وفي الورثة كثرة لم يوص ، وإن كان في المال كثرة أوصى بحسب المال وبحسب حاجتهم بعده في القلة والكثرة والله أعلم . المسألة الرابعة : روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال : الاضرار في الوصية من الكبائر . واعلم أنه يدل على ذلك القرآن والسنة والمعقول ، أما القرآن فقوله تعالى : * ( تلك حدود الله ومن