فخر الدين الرازي
23
تفسير الرازي
فكان قتله مثل موته في أنه لا يحصل الا في الوقت المقدر المعين ، فكما أنه لو مات في داره لم يدل ذلك على فساد دينه ، فكذا إذا قتل وجب أن لا يؤثر ذلك في فساد دينه ، والمقصود منه ابطال قول المنافقين لضعفة المسلمين انه لما قتل محمد فارجعوا إلى ما كنتم عليه من الأديان . الثاني : أن يكون المراد تحريض المسلمين على الجهاد باعلامهم أن الحذر لا يدفع القدر ، وان أحداً لا يموت قبل الأجل وإذا جاء الأجل لا يندفع الموت بشيء ، فلا فائدة في الجبن والخوف . والثالث : أن يكون المراد حفظ الله للرسول صلى الله عليه وسلم وتخليصه من تلك المعركة المخوفة ، فان تلك الواقعة ما بقي سبب من أسباب الهلاك إلا وقد حصل فيها ، ولكن لما كان الله تعالى حافظاً وناصراً ما ضره شيء من ذلك وفيه تنبيه على أن أصحابه قصروا في الذب عنه . والرابع : وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله ، فليس في ارجاف من أرجف بموت النبي صلى الله عليه وسلم ما يحقق ذلك فيه أو يعين في تقوية الكفر ، بل يبقيه الله إلى أن يظهر على الدين كله . الخامس : أن المقصود منه الجواب عما قاله المنافقون ، فان الصحابة لما رجعوا وقد قتل منهم من قتل قالوا : لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ، فأخبر الله تعالى ان الموت والقتل كلاهما لا يكونان الا بإذن الله وحضور الأجل والله أعلم بالصواب . المسألة الثانية : أخلفوا في تفسير الاذن على أقوال : الأول : أن يكون الاذن هو الامر وهو قول أبي مسلم ، والمعنى ان الله تعالى يأمر ملك الموت بقبض الأرواح فلا يموت أحد إلا بهذا الامر . الثاني : ان المراد من هذا الاذن ما هو المراد بقوله : * ( انما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون ) * ( النحل : 40 ) والمراد من هذا الأمر انما هو التكوين والتخليق والايجاد ، لأنه لا يقدر على الموت والحياة أحد الا الله تعالى ، فاذن المراد : أن نفسا لن تموت الا بما أماتها الله تعالى . الثالث : أن يكون الاذن هو التخلية والاطلاق وترك المنع بالقهر والاجبار ، وبه فسر قوله تعالى : * ( وما هم بضارين به من أحد الا بإذن الله ) * ( البقرة : 102 ) أي بتخليته فإنه تعالى قادر على المنع من ذلك بالقهر ، فيكون المعنى : ما كان لنفس أن تموت الا بإذن الله بتخلي الله بين القاتل والمقتول ، ولكنه تعالى يحفظ نبيه ويجعل من بين يديه ومن خلفه رصدا ليتم على يديه بلاغ ما أرسله به ، ولا يخلي بين أحد وبين قتله حتى ينتهي إلى الاجل الذي كتبه الله له ، فلا تنكسروا بعد ذلك في غزواتكم بأن يرجف مرجف أن محمدا قد قتل . الرابع : أن يكون الاذن بمعنى العلم ومعناه أن نفسا لن تموت إلا في الوقت الذي علم الله موتها فيه ، وإذا جاء ذلك الوقت لزم الموت ، كما قال * ( فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) * ( النحل : 61 ) الخامس : قال ابن عباس : الاذن هو قضاء الله وقدره ، فإنه لا يحدث شيء إلا بمشيئته وارادته فيجعل ذلك على سبيل التمثيل ، كأنه فعل لا ينبغي لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الله .