فخر الدين الرازي
24
تفسير الرازي
المسألة الثالثة : قال الأخفش والزجاج : اللام في * ( وما كان لنفس ) * معناها النفي ، والتقدير وما كانت نفس لتموت الا بإذن الله . المسألة الرابعة : دلت الآية على أن المقتول ميت بأجله ، وأن تغيير الآجال ممتنع . وقوله تعالى : * ( كتابا مؤجلا ) * فيه مسائل : المسألة الأولى : قوله : * ( كتابا مؤجلا ) * منصوب بفعل دل عليه ما قبله فان قوله : * ( وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله ) * قام مقام أن يقال : كتب الله ، فالتقدير كتب الله كتابا مؤجلا ونظيره قوله : * ( كتاب الله عليكم ) * لأن في قوله * ( حرمت عليكم أمهاتكم ) * ( النساء : 23 ) دلالة على أنه كتب هذا التحريم عليكم ومثله : صنع الله ، ووعد الله ، وفطرة الله ، وصبغة الله . المسألة الثانية : المراد بالكتاب المؤجل الكتاب المشتمل على الآجال ، ويقال : انه هو اللوح المحفوظ ، كما ورد في الأحاديث أنه تعالى قال للقلم " اكتب فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة " . واعلم أن جميع الحوادث لا بد أن تكون معلومة لله تعالى ، وجميع حوادث هذا العالم من الخلق والرزق والأجل والسعادة والشقاوة لا بد وأن تكون مكتوبة في اللوح المحفوظ ، فلو وقعت بخلاف علم الله لانقلب علمه جهلا ، ولانقلب ذلك الكتاب كذبا ، وكل ذلك محال ، وإذا كان الأمر كذلك ثبت ان الكل بقاء الله وقدره . وقد ذكر بعض العلماء هذا المعنى في تفسير هذه الآية وأكده بحديث الصادق المصدوق ، وبالحديث المشهور من قوله عليه السلام " فحج آدم موسى " قال القاضي : أما الأجل والرزق فهما مضافان إلى الله ، وأما الكفر والفسق والايمان والطاعة فكل ذلك مضاف إلى العبد ، فإذا كتب تعالى ذلك فإنما يكتب بعلمه من اختيار العبد ، وذلك لا يخرج العبد من أن يكون هو المذموم أو الممدوح . واعلم أنه ما كان من حق القاضي أن يتغافل عن موضع الاشكال ، وذلك لأنا نقول : إذا علم الله من العبد الكفر وكتب في اللوح المحفوظ منه الكفر ، فلو أتى بالايمان لكان ذلك جمعا بين المتناقضين ، لأن العلم بالكفر والخبر الصدق عن الكفر مع عدم الكفر جمع بين النقيضين وهو محال ، وإذا كان موضع الالزام هو هذا فأنى ينفعه الفرار من ذلك إلى الكلمات الأجنبية عن هذا الالزام . وأما قوله تعالى : * ( ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها ومن يرد ثواب الآخرة نؤته منها وسنجزي الشاكرين ) * . فاعلم أن الذين حضروا يوم أحد كانوا فريقين ، منهم من يريد الدنيا ، ومنهم من يريد الآخرة