فخر الدين الرازي

22

تفسير الرازي

المسألة الثالثة : قوله : * ( انقلبتم على أعقابكم ) * أي صرتم كفارا بعد إيمانكم ، يقال لكل من عاد إلى ما كان عليه : رجع وراءه وانقلب على عقبه ونكص على عقبيه ، وذلك أن المنافقين قالوا لضعفة المسلمين : ان كان محمد قتل فالحقوا بدينكم ، فقال بعض الأنصار : ان كان محمد قتل فان رب محمد لم يقتل ، فقاتلوا على ما قاتل عليه محمد . وحاصل الكلام انه تعالى بين أن قلته لا يوجب ضعفا في دينه بدليلين : الأول : بالقياس على موت سائر الأنبياء وقتلهم ، والثاني : أن الحاجة إلى الرسول لتبليغ الدين وبعد ذلك فلا حاجة إليه ، فلم يلزم من قتله فساد الدين والله أعلم . المسألة الرابعة : ليس لقائل أن يقول : ان قوله : * ( أفإن مات أو قتل ) * شك وهو على الله تعالى لا يجوز ، فانا نقول : المراد أنه سواء وقع هذا أو ذاك فلا تأثير له في ضعف الدين ووجوب الارتداد . ثم قال تعالى : * ( ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا ) * والغرض منه تأكيد الوعيد ، لأن كل عاقل يعلم أن الله تعالى لا يضره كفر الكافرين ، بل المراد أنه لا يضر الا نفسه ، وهذا كما إذا قال الرجل لولده عند العتاب : ان هذا الذي تأتي به من الأفعال لا يضر السماء والأرض ، ويريد به أنه يعود ضرره عليه فكذا ههنا ، ثم أتبع الوعيد بالوعد فقال : * ( وسيجزي الله الشاكرين ) * فالمراد أنه لما وقعت الشبهة في قلوب بعضهم بسبب تلك الهزيمة ولم تقع الشبهة في قلوب العلماء الأقوياء من المؤمنين ، فهم شكروا الله على ثباتهم على الايمان وشدة تمسكهم به ، فلا جرم مدحهم الله تعالى بقوله : * ( وسيجزي الله الشاكرين ) * وروى محمد بن جرير الطبري عن علي رضي الله عنه أنه قال : المراد بقوله : * ( وسيجزي الله الشاكرين ) * أبو بكر وأصحابه ، وروي عنه أنه قال أبو بكر من الشاكرين وهو من أحباء الله والله أعلم بالصواب . * ( وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَاباً مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الاَْخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِى الشَّاكِرِينَ ) * . وفيه مسائل : المسألة الأولى : في كيفية تعلق هذه الآية بما قبله وجوه : الأول : أن المنافقين أرجفوا أن محمد صلى الله عليه وسلم قد قتل ، فالله تعالى يقول : انه لا تموت نفس الا بإذن الله وقضائه وقدره ،