فخر الدين الرازي

204

تفسير الرازي

الأخ المال كله ، فأتت المرأة وقالت يا رسول الله هاتان ابنتا سعد ، وإن سعداً قتل وان عمهما أخذ مالهما ، فقال عليه الصلاة والسلام : " ارجعي فلعل الله سيقضي فيه " ثم إنها عادت بعد مدة وبكت فنزلت هذه الآية ، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمهما وقال : " أعط ابنتي سعد الثلثين ، وأمهما الثمن وما بقي فهو لك ، فهذا أول ميراث قسم في الاسلام . المسألة الثالثة : في تعلق هذه الآية بما قبلها وجهان : الأول : أنه تعالى لما بين الحكم في مال الأيتام ، وما على الأولياء فيه ، بين كيف يملك هذا اليتيم المال بالإرث ، ولم يكن ذلك إلا ببيان جملة أحكام الميراث ، الثاني : أنه تعالى أثبت حكم الميراث بالاجمال في قوله : * ( للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون ) * ( النساء : 7 ) فذكر عقيب ذلك المجمل ، هذا المفصل فقال : * ( يوصيكم الله في أولادكم ) * . المسألة الرابعة : قال القفال : قوله : * ( يوصيكم الله في أولادكم ) * أي يقول الله لكم قولا يوصلكم إلى إيفاء حقوق أولادكم بعد موتكم ، وأصل الايصاء هو الايصال يقال : وصى يصي إذا وصل ، وأوصى يوصي إذا أوصل ، فإذا قيل : أوصاني فمعناه أوصلني إلى علم ما أحتاج إلى علمه ، وكذلك وصى وهو على المبالغة قال الزجاج : معنى قوله ههنا : * ( يوصيكم ) * أي يفرض عليكم ، لأن الوصية من الله إيجاب والدليل عليه قوله : * ( ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به ) * ولا شك في كون ذلك واجبا علينا . فان قيل : انه لا يقال في اللغة أوصيك لكذا فكيف قال ههنا : * ( يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ) * . قلنا : لما كانت الوصية قولا ، لا جرم ذكر بعد قوله : * ( يوصيكم الله ) * خبرا مستأنفا وقال : * ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) * ونظيره قوله تعالى : * ( وعد الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات منهم مغفرة وأجرا عظيما ) * ( الفتح : 29 ) أي قال الله : لهم مغفرة لأن الوعد قول . المسألة الخامسة : اعلم أنه تعالى بدأ بذكر ميراث الأولاد وإنما فعل ذلك لأن تعلق الانسان بولده أشد التعلقات ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : " فاطمة بضعة مني " فلهذا السبب قدم الله ذكر ميراثهم . واعلم أن للأولاد حال انفراد ، وحال اجتماع مع الوالدين : أما حال الانفراد فثلاثة ، وذلك لأن الميت إما أن يخلف الذكور والإناث معا ، وإما أن يخلف الإناث فقط ، أو الذكور فقط . القسم الأول : ما إذا خلف الذكران والإناث معا ، وقد بين الله الحكم فيه بقوله : * ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) * .