فخر الدين الرازي
205
تفسير الرازي
واعلم أن هذا يفيد أحكاما : أحدهما : إذا خلف الميت ذكراً واحدا وأنثى واحدة فللذكر سهمان وللأنثى سهم ، وثانيها : إذا كان الوارث جماعة من الذكور وجماعة من الإناث كان لكل ذكر سهمان ، ولك أنثى سهم . وثالثها : إذا حصل مع الأولاد جمع آخرون من الوارثين كالأبوين والزوجين فهم يأخذون سهامهم ، وكان الباقي بعد تلك السهام بين الأولاد للذكر مثل حظ الأنثيين فثبت أن قوله : * ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) * يفيد هذه الأحكام الكثيرة . القسم الثاني : ما إذا مات وخلف الإناث فقط : بين تعالى أنهم إن كن فوق اثنتين ، فلهن الثلثان ، وإن كانت واحدة فلها النصف ، إلا أنه تعالى لم يبين حكم البنتين بالقول الصريح . واختلفوا فيه ، فعن ابن عباس أنه قال : الثلثان فرض الثلاث من البنات فصاعدا ، وأما فرض البنتين فهو النصف ، واحتج عليه بأنه تعالى قال : * ( فان كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك ) * وكلمة " إن " في اللغة للاشتراط ، وذلك يدل على أن أخذ الثلثين مشروط بكونهن ثلاثا فصاعداً ، وذلك ينفي حصول الثلثين للبنتين . والجواب من وجوه : الأول : أن هذا الكلام لازم على ابن عباس ، لأنه تعالى قال : * ( وإن كانت واحدة فلها النصف ) * فجعل حصول النصف مشروطاً بكونها واحدة ، وذلك ينفي حصول النصف نصيباً للبنتين ، فثبت أن هذا الكلام إن صح فهو يبطل قوله . الثاني : أنا لا نسلم أن كلمة " ان " تدل على انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف ؛ ويدل عليه أنه لو كان الأمر كذلك لزم التناقض بين هاتين الآيتين ، لأن الاجماع دل على أن نصيب الثنتين إما النصف ، وإما الثلثان ، وبتقدير أن يكون كلمة " إن " للاشتراط وجب القول بفسادهما ، فثبت أن القول بكلمة الاشتراط يفضي إلى الباطل فكان باطلا ، ولأنه تعالى قال : * ( وان لم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة ) * ( البقرة : 283 ) وقال : لا جناح عليكم أن تقصروا من الصلاة إن خفتم ، ولا يمكن أن يفيد معنى الاشتراط في هذه الآيات . الوجه الثالث : في الجواب : هو أن في الآية تقديما وتأخيرا ، والتقدير : فان كن نساء اثنتين فما فوقهما فلهن الثلثان ، فهذا هو الجواب عن حجة ابن عباس ، وأما سائر الأمة فقد أجمعوا على أن فرض البنتين الثلثان ، قالوا : وإنما عرفنا ذلك بوجوه : الأول : قال أبو مسلم الأصفهاني : عرفناه من قوله تعالى : * ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) * وذلك لأن من مات وخلف ابنا وبنتا فههنا يجب أن يكون نصيب الابن الثلثين لقوله تعالى : * ( للذكر مثل حظ الأنثيين ) * فإذا كان نصيب الذكر مثل نصيب الأنثيين ، ونصيب الذكر ههنا هو الثلثان ، وجب لا محالة أن يكون نصيب الابنتين