فخر الدين الرازي
21
تفسير الرازي
كان قد قتل فقد بلغ ، قاتلوا على دينكم ، ولما شج ذلك الكافر وجه الرسول صلى الله عليه وسلم وكسر رباعيته ، احتمله طلحة بن عبيد الله ، ودافع عنه أبو بكر وعلي رضي الله عنهم ونفر آخرون معهم ، ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم جعل ينادي ويقول : إلى عباد الله حتى انحازت إليه طائفة من أصحابه فلامهم على هزيمتهم ، فقالوا يا رسول الله فديناك بآبائنا وأمهاتنا ، أتانا خبر قتلك فاستولى الرعب على قلوبنا فولينا مدبرين ، ومعنى الآية * ( وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل ) * فسيخلو كما خلوا ، وكما أن أتباعهم بقوا متمسكين بدينهم بعد خلوهم ، فعليكم أن تتمسكوا بدينه بعد خلوه ، لأن الغرض من بعثة الرسل تبليغ الرسالة والزام الحجة ، لا وجودهم بين أظهر قومهم أبدا . المسألة الثانية : قال أبو علي : الرسول جاء على ضربين : أحدهما : يراد به المرسل ، والآخر الرسالة ، وههنا المراد به المرسل بدليل قوله : * ( إنك لمن المرسلين ) * ( البقرة : 252 ) وقوله : * ( يا أيها الرسول بلغ ) * ( المائدة : 67 ) وفعول قد يراد به المفعول ، كالركوب والحلوب لما يركب ويحلب والرسول بمعنى الرسالة كقوله : لقد كذب الواشون ما فهت عندهم بسر ولا أرسلتهم برسول أي برسالة ، قال : ومن هذا قوله تعالى : * ( انا رسولا ربك ) * ونذكره في موضعه إن شاء الله تعالى ثم قال : * ( أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ) * وفيه مسائل : المسألة الأولى : حرف الاستفهام دخل على الشرط وهو في الحقيقة داخل على الجزاء ، والمعنى أتنقلبون على أعقابكم ان مات محمد أو قتل ، ونظيره قوله : هل زيد قائم ، فأنت أنما تستخبر عن قيامه ، الا انك أدخلت هل على الاسم والله أعلم . المسألة الثانية : أنه تعالى بين في آيات كثيرة انه عليه السلام لا يقتل قال : * ( انك ميت وإنهم ميتون ) * ( الزمر : 30 ) وقال : * ( والله يعصمك من الناس ) * ( المائدة : 67 ) وقال : * ( ليظهره على الدين كله ) * ( الصف : 9 ) فليس لقائل أن يقول : لما علم أنه لا يقتل فلم قال أو قتل ؟ فان الجواب عنه من وجوه : الأول : أن صدق القضية الشرطية لا يقتضي صدق جزأيها ، فإنك تقول : ان كانت الخمسة زوجا كانت منقسمة بمتساويين ، فالشرطية صادقة وجزآها كاذبان ، وقال تعالى : * ( لو كان فيهما آلهة الا الله لفسدتا ) * ( الأنبياء : 22 ) فهذا حق مع أنه ليس فيهما آلهة ، وليس فيهما فساد ، فكذا ههنا . والثاني : ان هذا ورد على سبيل الالزام ، فان موسى عليه السلام مات ولم ترجع أمته عن ذلك ، والنصارى زعموا أن عيسى عليه السلام قتل وهم لا يرجعون عن دينه ، فكذا ههنا ، والثالث : ان الموت لا يوجب رجوع الأمة عن دينه ، فكذا القتل وجب أن لا يوجب الرجوع عن دينه ، لأنه فارق بين الأمرين ، فلما رجع إلى هذا المعنى كان المقصود منه الرد على أولئك الذين شكوا في صحة الدين وهموا بالارتداد .